دموع الورد

حين تصبح المهارة عماد النهضة

دموع الورد : د. نوال خضر

 

حين تصبح المهارة عماد النهضة

ليس بالضرورة أن تبدأ كل حكايات النجاح من مقاعد الجامعات، فهناك حكايات تبدأ من ورشة صغيرة، وبين أدوات النجارة وأجهزة الكهرباء ومحركات السيارات، وعلى أيدي شباب يتعلمون كيف يصنعون شيئاً بمهاراتهم.

فالأوطان لا تُبنى بالمعرفة النظرية وحدها، ولا تتحقق نهضتها بالشهادات الأكاديمية فقط، وإنما تحتاج إلى عقول تخطط وأيدٍ ماهرة تنفذ، وتعرف كيف تحول الأفكار إلى واقع ملموس ومنتج.

ومن هنا تبرز أهمية التدريب المهني باعتباره أحد أهم ركائز التنمية الاقتصادية، ومدخلاً أساسياً لإعداد الكوادر الفنية الوسيطة التي يحتاج إليها سوق العمل، خاصة في ظل التوجه نحو إعادة بناء الصناعة وتطوير الإنتاج.

فالصناعة لا تقوم على الآلات ورؤوس الأموال وحدها، بل تحتاج إلى الإنسان الذي يعرف كيف يشغل هذه الآلات، ويحافظ عليها، ويكتشف أعطالها ويطور أداءها. فالفني في مجالات الكهرباء والميكانيكا والتبريد واللحام والتشغيل والصيانة ليس مجرد عامل يؤدي مهمة محددة، بل هو حلقة أساسية في منظومة الإنتاج، وبدونه قد تتوقف خطوط الإنتاج مهما بلغت حداثة المعدات أو حجم الاستثمارات.

ولعل واحدة من المشكلات التي ظلت تعيق انتشار ثقافة التدريب المهني في مجتمعاتنا هي النظرة التي تضع التعليم المهني في مرتبة أقل من التعليم الأكاديمي، وكأن النجاح لا يتحقق إلا عبر الجامعة، بينما الحقيقة أن المجتمعات المتقدمة أدركت مبكراً أن قيمة الإنسان لا تقاس بنوع الشهادة التي يحملها، وإنما بما يمتلكه من علم ومهارة وقدرة على الإنتاج.

إننا اليوم، ونحن نتحدث عن إعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد، أحوج ما نكون إلى مراجعة هذه النظرة، وإعادة الاعتبار للمهن والحرف، وجعل التدريب المهني خياراً جاذباً للشباب، لا مساراً اضطرارياً لمن لم يتمكنوا من الالتحاق بالجامعات.

وهذا يتطلب تطوير مراكز التدريب المهني، وتحديث مناهجها ومعداتها، وربط برامجها باحتياجات سوق العمل الفعلية، وفتح أبواب الشراكة بينها وبين المصانع والمؤسسات والقطاع الخاص، حتى لا يتخرج المتدرب حاملاً شهادة فحسب، بل يمتلك مهارة تتيح له فرصة العمل أو تأسيس مشروعه الخاص والمساهمة في الإنتاج.

كما أن مسؤولية نشر ثقافة العمل المهني لا تقع على مؤسسات التدريب وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمتد إلى مؤسسات الدولة والإعلام والقطاع الخاص، حتى يصبح الإقبال على تعلم المهن والحرف أمراً طبيعياً ومصدراً للفخر والاعتزاز.

إن نهضة الصناعة تبدأ من إعداد الإنسان المؤهل، وإعادة بناء قاعدة من الفنيين المهرة القادرين على تشغيل المصانع وصيانتها وتطويرها. فالتنمية لا تحتاج إلى من يخططون لها فقط، بل تحتاج أيضاً إلى من يمتلكون المهارة لتحويل تلك الخطط إلى إنجازات.

ولعل هذه القناعة بأهمية التدريب المهني ودوره في بناء الاقتصاد ونهضة الصناعة، هي ما دعاني للحديث عنه الآن، خاصة ونحن نتابع الجهود المبذولة من القائمين على أمر التدريب المهني بولاية نهر النيل، والتي تستحق أن نقف عندها بشيء من التفصيل، وأن نسلط الضوء على ما تحمله من رؤى وطموحات في تأهيل الشباب وفتح آفاق جديدة أمامهم.

ولنا عودة في المقال القادم للحديث عن هذه الجهود، وما يمكن أن تمثله تجربة ولاية نهر النيل من خطوة في الطريق نحو استعادة قيمة المهن والحرف، وجعل المهارة بوابة حقيقية للإنتاج والتنمية.

نبض الورد

لا تنهض الأوطان بما تملكه من آلات فقط، بل بما تملكه من أيدٍ تعرف كيف تجعلها تعمل.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى