
ما لا تكتبه محاضر الاجتماعات
ليست كل الاجتماعات تشبه بعضها، هناك اجتماعات تنتهي بانتهاء الجلسة وتبقى محاضرها في الأدراج ، وهناك اجتماعات يخرج الناس منها وهم يشعرون أن شيئاً جميلاً قد عاد إلى مكانه .
وهذا ما شعرت به وأنا أتابع الا جتماع نصف السنوي للهيئة القومية للغابات بمدينة ود مدني الذي انعقد يومي الخامس والسادس عشر من الشهر الجاري واستضافته رئاسة غابات ولاية الجزيرة .
لم تكن القاعة هي التي لفتت انتباهي ولا جدول الأعمال ولا حتى القرارات التي خرج بها الاجتماع رغم أهميته .
لكن ما بقي في الذاكرة هو ذلك الدفء الإنساني الذي ملأ المكان ، فبعد سنوات الغياب بفعل الحرب ، كان اللقاء اشبه بلقاء أهل فرقتهم الأيام ، وجوه غابت طويلاً ثم عادت ، وأيدٍ امتدت بالمصافحة قبل أن تمتد بالأوراق ، وسؤال صادق عن الأحوال قبل الحديث عن العمل .
رأيت الغابات وأهلها كما ينبغي أن تكون … جذوراً متشابكة .
ومن المشاهد التي لن تغيب ولاية تحمل شتولاً إلى ولاية أخرى ، وأخرى تهدي بذوراً لزملائها ، وخبرات تنتقل بلا حساب ، وقلوب مفتوحة قبل المخازن والمشاتل .
وأكثر ما أسعدني أن كلمة “ولايات” بدت وكأنها اختفت . لم أشعر أن هناك ولاية تستعرض إمكاناتها أمام أخرى ، بل رأيت الجميع يتحدثون بلغة واحدة : كيف ننهض بالغابات في السودان؟
أما غابات ولاية الجزيرة ، فقد قدمت درساً جميلاً مفاده أن كرم الضيافة ليس الطعام وحده ، وإنما شعور الضيف بأنه بين أهله . وكان حسن التنظيم ، وبشاشة الوجوه ، والاهتمام بالتفاصيل ، رسائل صامتة تقول لكل قادم : مرحباً بكم في بيتكم .
ومن المشاهد التي لا تقل جمالًا حضور ممثلي ولايات دارفور الذين لم يكونوا ضيوفاً ، بل كانوا جزءاً من الأسرة .
فالجميع يعرض عليهم المساندة ، ويقترح التعاون ، ويفتح أبواب ولايته قبل مكتبه . في تلك اللحظات شعرت أن السودان الذي نحلم به لم يغب ، وإنما كان ينتظر فرصةً ليظهر .
خرجت من الاجتماع وأنا أكثر يقيناً بأن الغابات لا يحميها القانون وحده ، ولا تنميها الخطط وحدها ، وإنما يحميها رجال ونساء يؤمنون بأن النجاح لا يُحتكر، وأن الخير إذا انتقل من ولاية إلى أخرى ، فإن الوطن كله يربح .
ذلك هو أجمل قرار خرجت به من ود مدني … قرار لم يُكتب في محضر الاجتماع ، لكنه كُتب في القلوب .
نبض الورد
نحنا بالقومية النبيلة
مابندور عصبية القبيلة
تربي فينا ضغائن وبيلة
تزيد مصايب الوطن العزيز


