من التحصيل إلى الثقة تطوير إدارة أموال الزكاة وتنمية الموارد وتعزيز مساهمة المزكين والخيرين كيف نبني منظومة مؤسسية تجعل أداء الزكاة أكثر سهولة، وتعبئة الموارد الخيرية أكثر فاعلية، وإدارة الأموال أكثر كفاءة وشفافية؟
إعداد: د. محمد صلاح علي الفكي

من التحصيل إلى الثقة
تطوير إدارة أموال الزكاة وتنمية الموارد وتعزيز مساهمة المزكين والخيرين
كيف نبني منظومة مؤسسية تجعل أداء الزكاة أكثر سهولة، وتعبئة الموارد الخيرية أكثر فاعلية، وإدارة الأموال أكثر كفاءة وشفافية؟
لا تكتمل منظومة الزكاة بتحديد المستحقين وإدارة احتياجاتهم وتوجيه الموارد إليهم فحسب، بل تبدأ أيضاً من كفاءة التحصيل، وتوسيع قاعدة المزكين، وتنمية الموارد الخيرية، وبناء الثقة في إدارة الأموال وتوجيهها.
وفي ظل الظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد، وتراجع الأنشطة الإنتاجية واتساع الاقتصاد غير المنظم، تبرز أسئلة مهمة: كيف نطور حصر الأوعية الزكوية وتقديرها؟ وكيف نيسر أداء الزكاة؟ وكيف نستفيد من رغبة الأفراد والخيرين من داخل السودان وخارجه في دعم الاحتياجات الإنسانية والمجتمعية، ضمن منظومة موثوقة تحترم طبيعة كل مساهمة وأغراضها؟
كيف نطور التحصيل ونوسع قاعدة المزكين؟
يتطلب ذلك تطوير قاعدة بيانات للأوعية الزكوية، تشمل الأنشطة التجارية والزراعية والحيوانية وغيرها، وفق الضوابط الشرعية والأطر القانونية المنظمة، مع تحديث المعلومات دورياً، والاستفادة من التحول الرقمي والربط المؤسسي المشروع.
كما ينبغي توفير خدمات إلكترونية ومصرفية مرنة تتيح للمزكي معرفة التزاماته، واحتساب الزكاة، وأداءها عبر قنوات موثوقة، والحصول على إيصال رسمي، مع توفير بدائل مناسبة لمن لا تتوافر لديهم إمكانات الدفع الرقمي.
ولا يقتصر تطوير التحصيل على تسهيل الإجراءات، بل يشمل توضيح أسس التقدير، وتيسير الاستفسارات والاعتراضات، وتحسين التواصل مع المزكين، بما يعزز الالتزام والثقة المتبادلة.
كيف نعبئ موارد العمل الخيري والمجتمعي؟
يمكن إنشاء تطبيق وطني للمساهمات الخيرية والإنسانية، يتيح للأفراد والخيرين من داخل السودان وخارجه المساهمة في دعم الاحتياجات الإنسانية والمجتمعية، واختيار الغرض الذي يرغبون في دعمه، مثل علاج مرضى الكلى والسرطان، ومساعدة طلاب العلم، ودعم الأيتام والأسر المتعففة، وتوفير الغذاء والإيواء للمتضررين والنازحين، وتمويل مشروعات التمكين والإنتاج.
ويتيح التطبيق اختيار الحالة أو المشروع، وتحديد قيمة المساهمة، وإتمام الدفع إلكترونياً، والحصول على إيصال موثق، ومتابعة أوجه الصرف والنتائج المتحققة، بما يربط رغبة المساهم بالاحتياج الفعلي.
وتُصنّف المساهمات وتُدار عبر ثلاثة مسارات مستقلة:
– الزكاة: تُحصّل وتُدار وتُصرف وفق المصارف والأحكام الشرعية المنظمة لها.
– الصدقات: تُدار من خلال حسابات مستقلة، وتُوجّه وفق أغراضها والضوابط المعلنة.
– التبرعات المخصصة: تُوجّه إلى حالات أو مشروعات محددة، وفق رغبة المتبرع وشروط المساهمة.
ويقتضي ذلك فصلاً مالياً ومحاسبياً واضحاً بين المسارات الثلاثة، مع حسابات مستقلة وضوابط محددة للتحصيل والصرف، واحترام الغرض الذي حدده المساهم. وإذا اكتمل تمويل حالة أو تعذر تنفيذ مشروع، تُعالج المساهمة وفق شروط معلنة تحفظ حق المتبرع، ولا يُحوّل المال إلى غرض آخر دون سند أو موافقة مناسبة.
كيف نضمن حوكمة التطبيق وسلامة المساهمات؟
يتطلب ذلك تحديد الجهة المسؤولة عن إدارة التطبيق والإشراف عليه، في إطار قانوني ومؤسسي واضح، وبالتنسيق مع الجهات المختصة بالعمل الخيري والتبرعات. كما ينبغي التحقق من الحالات والمشروعات قبل عرضها، وتوثيق عمليات التحصيل والصرف، وتحديد مسؤوليات الجهات المنفذة والرقابية، وحماية بيانات المساهمين والمستفيدين.
ولا يعني وجود بوابة رقمية موحدة توحيد الحسابات أو دمج المسؤوليات؛ بل تكون واجهة ميسرة للمساهم، مع بقاء الإدارة والحسابات والضوابط مستقلة بحسب طبيعة كل مورد.
كما ينبغي نشر تقارير دورية توضح حجم المساهمات، والحالات والمشروعات المدعومة، ونسب الإنجاز، والمبالغ المصروفة والمتبقية، وإتاحة قنوات للشكاوى والاستفسارات، بما يعزز الشفافية والمساءلة.
كيف نجعل إدارة الموارد أكثر كفاءة؟
لا يرتبط النجاح بحجم الأموال المتحصلة أو المساهمات المجموعة وحده، بل بكفاءة إدارتها وتوجيهها إلى مصارفها وأغراضها المحددة، وفق أولويات الاحتياج والعدالة الجغرافية.
ويتطلب ذلك تطوير نظم مالية ورقابية تربط التحصيل بالتوريد والتخصيص والصرف، وتوضح مسارات الأموال، وتحدد المسؤوليات والصلاحيات، وتحد من التأخير والتداخل والإنفاق غير المبرر، مع تعزيز المراجعة الدورية وحماية الموارد من الهدر.
كما ينبغي قياس الأداء بمؤشرات واضحة، تشمل نمو قاعدة المزكين، وحجم الصدقات والتبرعات، وسرعة وصول المساهمات إلى أغراضها، ونسبة إنجاز المشروعات، وتكلفة التحصيل، ومستوى رضا المزكين والمساهمين.
من التحصيل إلى الشراكة والثقة
إن المزكي ليس مجرد مصدر للموارد، بل شريك في تحقيق رسالة الزكاة، والمتصدق والمتبرع شريكان في دعم العمل الخيري والإنساني، والمستحق إنسان ينبغي أن تصل إليه حقوقه واحتياجاته بكرامة وعدالة.
وتتكامل هذه الحلقة مع بوابة الزكاة السودانية، ونظام إدارة المستحقين، وبرنامج الحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي، ومنظومة قياس الأثر؛ لتشكل جميعها نظاماً وطنياً مترابطاً، يبدأ بتيسير أداء الزكاة وتعبئة المساهمات المجتمعية، ويمر بحسن إدارة الموارد وتوجيهها، وينتهي بقياس أثرها في حياة الناس.
فالنجاح الحقيقي لا يقاس بما يتم تحصيله من أموال الزكاة أو جمعه من الصدقات والتبرعات فحسب، بل بقدرة المؤسسات على بناء الثقة، وحماية الموارد، وإيصالها إلى مستحقيها وأغراضها المحددة، وتحويلها إلى حماية وعدالة وفرص للتمكين والإنتاج.









