
كيف تموت العلاقات ؟؟؟
كيف تموت العلاقات؟ سؤال ظل يؤرقني لفترة، ويدفعني للتأمل في أحوال الناس وما يطرأ على علاقاتهم من تغيرات، وكيف يمكن لأشخاص جمعتهم سنوات من المودة والعشرة أن يصبحوا غرباء، بعد أن كانوا جزءاً أصيلاً من تفاصيل الحياة اليومية لبعضهم البعض.
وبعد كثير من التأمل ومتابعة ما يدور حولي من حكايات ومواقف، وجدت أن العلاقات لا تموت بالضرورة بسبب خلاف كبير أو موقف حاسم، بل قد تتسلل إليها أسباب صغيرة، تتكرر يوماً بعد يوم، حتى تفعل ما لا تفعله الخلافات الكبيرة.
تموت العلاقات بالإهمال، حين يصبح السؤال عن أحوالنا أمراً مؤجلاً، والاهتمام بنا واجباً ثقيلاً، والحضور في تفاصيل حياتنا شيئاً لا يستحق العناء.
وتموت العلاقات بالتجاهل، حين نتحدث فلا نجد من يسمعنا، ونحزن فلا يلحظ أحد غياب ابتسامتنا، ونحتاج إلى كلمة طيبة فلا نجد سوى الصمت.
وتموت العلاقات بالتعالي، حين ينسى أحدهم أن العلاقات لا تقوم على المكانة ولا على من يملك القوة أو المال أو النفوذ، وإنما على التقدير المتبادل والشعور بقيمة كل طرف لدى الآخر.
تموت العلاقات بالتسلط والسيطرة، حين يتحول القرب إلى قيد، والمحبة إلى وصاية، والصداقة إلى مساحة يمارس فيها أحدهم سلطته على الآخر، وكأن له الحق في تشكيل حياته وفق ما يريد.
وهكذا، مع تكرار هذه الممارسات، نفقد أشخاصاً ربما ظننا أنهم أرقاماً ثابتة في حياتنا، وأن وجودهم مضمون مهما فعلنا. ولا ننتبه إلى أنهم يتغيرون، وأن في داخلهم شيئاً يتراجع كلما خذلناهم، حتى يأتي يوم لا يعودون فيه كما كانوا.
والمؤلم أن الطرف الذي يتسبب في هذا الموت البطيء للعلاقات قد لا يشعر بما يفعله . لانه يظن أن الآخر سيظل متاحاً، وأن صبره لا ينفد، وأن المحبة تمنحنا الحق في الإهمال، وأن القرابة أو العشرة أو سنوات الصداقة كفيلة بإصلاح كل شيء.
و ينسى أن لكل إنسان طاقة على الاحتمال، وأن القلوب مهما اتسعت قد تتعب، وأن بعض الذين نعتاد وجودهم لا يغادرون حياتنا في لحظة، بل يغادرون مشاعرنا أولاً، ثم يأتي الرحيل بعد ذلك مجرد إعلان لما حدث بالفعل.
وما أكثر العلاقات التي نكتشف قيمتها بعد أن نفقدها. صديق كان يعرف تفاصيل أيامنا، وقريب كانت أبوابنا مفتوحةً له، وزميل جمعتنا به سنوات من العمل، وجار كان جزءاً من تفاصيل حياتنا، وشريك في الحياة تقاسم معنا الأفراح والأحزان. لكل علاقة حكايتها، ولكل غياب وجعه، وليس كل ما ينكسر قابلاً للإصلاح.
ولعل أكثر اللحظات قسوةً أن يعود أحدهم بعد طول غياب، باحثاً عن الماضي الذي تركه خلفه، معتقداً أن الزمن توقف عند آخر لقاء، وأن المشاعر التي أهملها ما زالت تنتظره في مكانها.
وهنا تحضرني رائعة التجاني حاج موسي :
«جاي تفتش الماضي خلاص الماضي ولي زمان
وجفت مقلتي الباكية ونامت من سنين احزان
كم تختصر هذه الكلمات من حكايات! وكم تشبه أناساً أدركوا متأخرين أن ما يبحثون عنه لم يعد موجوداً بالصورة التي عرفوها، وأن الزمن الذي مضى لا يعود، حتى إن عاد أصحابه.
إن العلاقات، مهما اختلفت أشكالها، تحتاج إلى رعاية. الصداقة تحتاج إلى سؤال، والقرابة تحتاج إلى صلة، والزواج يحتاج إلى مودة واحترام، والحب يحتاج إلى اهتمام، والجيرة تحتاج إلى تقدير، والزمالة تحتاج إلى إنسانية. لا توجد علاقة تعيش على تاريخها وحده، ولا تكفي الذكريات القديمة لإبقاء المودة حية إلى الأبد.
ليس المطلوب أن نكون مثاليين، ولا أن نمنح الآخرين أكثر مما نستطيع، ولكن أن ننتبه إلى أثر أفعالنا، وأن نعتذر حين نخطئ، وأن نراجع أنفسنا قبل أن يتحول الصمت إلى مسافة، والمسافة إلى غياب، والغياب إلى نهاية لا ينفع معها الندم.
فبعض العلاقات لا تحتاج إلى معجزة كي تستمر، بل إلى كلمة طيبة، وسؤال صادق، واعتذار في وقته، وشعور بسيط بأننا ما زلنا مهمين في حياة من نحب.
نبض الورد
بعض العلاقات لا يقتلها موقف واحد، بل تقتلها مواقف صغيرة تكررت.





