
حكايات في زمن الحرب
العريس الذي هرب !
الحرب مهما كانت فظيعة ومريرة ومهما حملت للناس من خوف وفقد ونزوح ووجع تترك وراءها حكايات يصعب تصديقها .
حكايات حين نرويها الآن نكاد لانملك إلا أن نضحك في بعضها ونبكي في البعض الآخر خصوصاً عندما نتخيل المشهد بكل تفاصيله ، مع أننا ندرك جيداً أن أصحابها كانوا في اوضاع لايحسدون عليها، بل كانوا يعيشون رعباً لا يمكن وصفه .
ومن خلال هذه المساحة سأروي حكايات من الواقع بعضها صار من الطرائف وبعضها لازال مؤلماً.
الحكاية الأولي من الطرائف وهي لامرأة في منطقة جبرة.
هب مطلقة تعيش مع شقيقها ولم تغادر منزلها منذ اندلاع الحرب وبقيت صامدة في بيتها، رغم أن عناصر مليشيا الدعم السريع كانوا يملأون المنطقة.
وفي أحد الأيام كان شقيقها في المسجد، وهي وحدها حين طرق أحدهم الباب.
ذهبت لتعرف من الطارق، فإذا بأحد أفراد المليشيا وطلب منها أن تفتح الباب .
اصابها الخوف وطلبت منه أن ينتظر حتى (تلبس التوب) ، وبالفعل ارتدت ثوبها وفتحت الباب.
وبمجرد ان فتحت الباب عاجلها بالسؤال (وين راجلكي)
ارتبكت وقالت له ماعندي راحل انا مطلقة وظنت أن معرفة الرجل بأنها مطلقه ربما تحميها منه ، أو على الأقل تبعد عنها الخطر.
لكن الحقيقة التي قالتها لتحمي نفسها، قادتها إلى موقف أكثر رعباً.
فرد عليها بكل برود وبساطه أنه سيصير لها رجلاً و سيتزوجها!
الجمتها الدهشه وهي تقف امامه لاحول لها ولا قوه وهو مدجج بسلاحه وطلب منها أن تقرأ معه الفاتحة.
تخيلوا المشهد…
امرأة تقف أمام رجل مسلح، وحدها في منزلها، لا تعرف ماذا يريد منها ولا ماذا يمكن أن يحدث بعد دقائق، وفجأة تجد نفسها تزوج نفسها بالفاتحة فقط!! زواج لم تخطط له ولا تريده ولا تعرف كيف تنجو منه.
رفعت يديها وهي ترتجف وبدأت تقرأ الفاتحة.
لكن القدر كان يخبئ لها مفاجأة فبينما هم يقرأون الفاتحة والعريس ينتظر إتمام الزواج ظهر من فوق سطح المنزل المجاور عنصر آخر من عناصر المليشيا ويبدو أنه عثر على غنيمة تستحق أن يُنادى عليها!
فأشار إلى زميله بالحضور مسرعاً، فما كان من العريس إلا أن ترك الفاتحة وترك العروس الزواج وأسرع نحو الغنيمة!
وهكذا انتهى زواج لم يبدأ.
وعندما عاد شقيق المرأة أخبرته بما حدث ولم يكن أمامهما إلا الرحيل .
غادرا جبرة في رحلة نزوح إلى مكان لا يعرفان أين سينتهيان إليه.
عندما سمعت هذه الحكاية لم أستطيع أن أمنع نفسي من الضحك، ليس لأن ما حدث كان مضحكاً مضحكاً .
بل لأن تخيل المشهد بعد أن زال الخطر يجعلنا نكتشف تلك المفارقة السوداء التي صنعتها الحرب
امرأة تقرأ الفاتحة وهي ترتجف ولا تدري هل هذا زواج صحيح ام غير صحيح وهل فعلاً كانت ستتزوج هذا الشخص الغريب الذي لاتعرف حتى اسمه!!
ومن جهته رجل يترك عروسه في منتصف الفاتحة لأن زميله وجد غنيمة !
لكن خلف هذه الصورة التي تبدو الآن ساخرة، كانت هناك امرأة عاشت لحظة رعب حقيقية لم تكن تعرف ان كانت ستخرج منها سالمه، ولا تعرف إن كان هذا الرجل سيعود مرةً أخري ولا ماذا كان ينتظرها لو لم تظهر تلك الغنيمة في اللحظة المناسبة.
وهنا يبقى السؤال:
هل كانت الفاتحة ستجعلها زوجته فعلاً ؟
وهل لو لم تظهر الغنيمة في المنزل المجاور كان سيكتمل ذلك الزواج قسراً ؟
في زمن الحرب حتى الأسئلة التي تبدو عادية تصبح مخيفة.
أما هذه المرأة فقد أنقذتها العناية الآلهية من عريس جاءها بلا موعد
نبض الورد
في كل حكاية وجع يستحق أن يُروى وفي كل وجع درس يستحق أن يحفظ.




