
هيرات وعشق اباد.. ذكريات لاتنسى
في عام 1994 طلب من الاستاذ والصديق العزيز سلطان عبيد طويرش رئيس تحرير صحيفة الاتحاد الإماراتية رحمه الله أن اسافر إلى مدينة في أفغانستان اسمها هيرات لكي اقوم بتغطية لمؤتمر عن السلام في أفغانستان برعاية الرئيس الأسبق برهان الدين رباني رحمه الله.. ولكن لم يقدم لي اي تفاصيل أو معلومات.. ولكن قال لي إن رجلا أفغانيا سيأتي إلي في مكتب الاتحاد بالشارقة لمناقشة التفاصيل.. بعد يوم تقريبا جاءني في مكتب الشارقة رجلا أفغانيا عريض المنكبين ملتحيا.. وبعد السلام والتعارف أخبرني عن المؤتمر وأهمية تغطيته في الاتحاد.. واخبرني عن إمكانية السفر إلى هيرات.. وقلت له: أنا لا مانع عندي من السفر ومستعد رغم علمي ان في ذلك خطورة آنية ومستقبلية..!!
أخبرني ان السفر سيتم عن طريق إيران ومنها نعبر الحدود بسيارة إلى هيرات حيث إن مدينة هيرات قريبة من حيث الموقع إلى إيران.
أخبرته ان سفري عبر إيران مستحيل.. ولا يمكن أن أدخل في جواز سفري كبيرتين من الكبائر هما ختمي دخول إيران وافغانستان دفعة واحدة..!
فكر الرجل مليا ثم قال لي :هناك حل واحد هو ان تسافر إلى هيرات عن طريق دولة تركمانستان تنزل في عاصمتها عشق اياد ثم تعبر الحدود إلى أفغانستان.. وما أن قال لي تنزل في عشق آباد.. حتى كأنه أصابني مس من العشق.. قلت له :عشق آباد.. انا مسافر دون تأخير.
سافرنا اليوم التالي إلى سفارة روسيا في أبوظبي وتحصلنا على تأشيرة لدخول تركمانستان.. ثم بعد أيام سافرت من أبوظبي على متن طائرة روسية إلى عشق اباد.. وكان الرحلة قصيرة جدا حوالي ساعة ونصف الساعة.. كنت منتشيا ومتشوقا لزيارة عشق اباد.
نزلت في أحد الفنادق الصغيرة ..المشكلة الأولى التي واجهتني هي كيفية التفاهم ..لم اجد احدا يتحدث اللغة الإنجليزية.
تعرفت على على سيدة من أصول إيرانية موظفة استقبال في أحد الفنادق ..نصحتني بالنزول في فندق الشباب..تحولت إلى فندق الشباب ثم تعرفت على أحدهم و افهمته بعد جهد أنني أعمل صحافيا. فدلني على مكتب وكالة انتر فاكس الروسية..في مكتب انترفاكس انحلت عقدة اللغة وجدت محررين صحافيين ومحررة يتحدثون اللغة الإنجليزية.. أخبرتهم أنني أود الذهاب الى حدود أفغانستان عبر تركمانستان..فوجئت أنهم ضحكوا ضحكا هستيريا؛ ثم قالوا لي إن ذلك مستحيل.. وأنه لا مجال لعبور الحدود من تركمانستان مطلقا.
أيقنت أن المحاولة فاشلة ..ولكن كنت فرحًا بزيارة عشق اباد.
المحررة الروسية عرفتني على زوجها التركماني السيد طاجن .. وساعداني كثيرا في التعرف على بلدهم بزيارات لعدد من المواقع الأثرية والسياحية وخاصة منبع المياه السخنة التي يستخدمونها للعلاج.
وشهدتُ نهضة ملحوظة في البلد وبناء عدد من المساجد في عشق اباد.. ومساهمات قطرية وتركية ملموسة في العاصمة.
تعتبر تركمانستان وقتها رابع بلد في احتياطي الغاز عالميا.
عدتُ من عشق اباد بعد أيام وأنا عاقد العزم علي زيارتها مرة ثانية وثالثة.. وقد فعلت بعد ذلك خلال سنوات متفرقة.
في الشارقة بعد عودتي جاءني الرجل الأفغاني في المكتب وقد نسيت اسمه ..ومازال عازما على أن أسافر الى هيرات .وبعد الحاج شديد وافقت على مضض..فسافرنا معًا بالخطوط الإماراتية الى بندر عباس في رحلة استغرقت نصف ساعة تقريبا..وبتنا ليلتنا في نزل هناك ثم غادرنا برا إلى الحدود مع إيران .نزلنا ضيوفا على موظفي القنصلية الأفغانية في تلك المدينة الحدودية وتم منحي تأشيرة لدخول أفغانستان عبر بوابة مدينة هيرات.
في الصباح إلباكر تحركت مع مرافقي الافغاني باتجاه هيرات.. كانت السيارة التي نركبها بيك اب تويوتا.. ونحن في المدينة قبل المغادرة.. ملأ مرافقي الذي نسيت اسمه صندوق السيارة الخلفي بكميات كبيرة من البطيخ والشمام.. وكنت مندهشًا من كمية البطيخ الكبيرة التي اشتراها الرجل.
بعد ساعات قليلة بدأت هيرات تلوح من بعيد.. حين اقتربنا راودني إحساس أننا نركب آلة الزمن؛ ورجعنا مئات السنين إلى الوراء لندخل مدينة من عمق التاريخ شامخة ببنيانها القديم وحضارتها.
كان مرافقي كلما تم توقيفنا في نقطة مراقبة.. أعطى القائمين على الحراسة بطيخة أو اثنتين هدية.. حتى إذا وصلنا مقصدنا كان كل ذلك البطيخ والشمام قد وزعه الرجل.. وكان من يستلم بطيخًا أو شمامًا يفرح فرحًا عظيمًا..!
و أدركت أن الرجل خبير عريق في العلاقات العامة.
انزلني الرجل في بيته حتى اليوم التالي ونمت في حوش المنزل في الهواء الطلق وكأنني في السودان.. ورأيت في تلك الليلةَ تجمعًا لنجوم متلالئة على صفحة الشتاء لم ار لها مثيلا من قبل..وكان المنظر آخاذا ومدهشا..سبحان الله.
في الصباح اليوم التالي.. حولني مرافقي إلى نزل الضيافة الحكومي.. كان بيتا عاديا.
قمنا بجولة في السوق َذهبنا إلى الحمام العام.. وبعض المناطق الأخرى.
تم اخطاري من قِبل مرافقي أن لنا لقاءً غدا نهارًا مع الرئيس برهان الدين رباني الذي وصل اليوم إلى هيرات.
تحمست للقاء.. ورأيت أنه فرصة عظيمة.. بعد فاتني المؤتمر الذي كنت قد جئت له قد انعقد قبل عدة أيام من وصولنا إلى هيرات.. وكان سؤالي الأول الرئيس رباني عن مخرجات ذلك المؤتمر.
دخلتُ على الرئيس رباني في منزل الضيافة واستقبلني بحفاوة.. ولم يكن بيننا حرس أو مراقب.. و أخبرته أنني مندوب جريدة الاتحاد الإماراتية لاجري معه حوارا للجريدة.
رحب واستحسن الفكرة.. وعندما عرف أنني من السودان زاد ترحيبه بي.
أجريت معه حوارا مهما.. ثم ودعته شاكرا.. وقد أدركت ان مهمتي الرئيسية قد انتهت.
بعد ذلك قمت بجولة في هيرات لعدد من المناطق والمؤسسات التعليمية والصحية وكان من أهمها مركز الأطراف الصناعية الذي منح عددًا كبيرا ممن بترت اطرافهم خلال الحرب اطرافا جديدة ساعدتهم على الحركة من جديد.
وفي اليوم التالي كنت بمعية مرافقي نقطع الطريق إلى الحدود الإيرانية.. انتهي بي المطاف في مدينة مشهد بعد أن فارقني مرافقي عند الحدود.
في مدينة مشهد امضيت الليلة في احد الفنادق الجميلة غير البعيدة من مدينة قُم المقدسة.
في لوبي الفندق مساء جلست لوحدي.. ونظرت فوجدت عددًا من النساء جالسات في بهو الفندق.. اقتربت مني فتاة صغيرة وتحدثت اليّ بالإنجليزية مرحبه.. ثم سألتني من أين .. قلت لها أنا قادم من دبي واسمي علي.. وكأن اسم دبي قد تحدث مفعولا سحريا في اللوبي.. وجدت أن الفتاة الصغيرة قد فرحت كثيرا عندما قلت لها. انا٩ قادم من دبي.. ويبدو أنها قالت للنساء الحاضرات أنني قادم من دبي.. وفي وقت وجيز وجدت نفسي محاطا بحلقة من النساء الجميلات من إعمار مختلفة. جلست الفتاة الصغيرة بجواري ثم انضمت إليها فتاة اكبر منها سنا فجلست عن يميني.. وبدأ اغرب حوار عشت دقائقه مستمتعا.. كان الحديث كله عن دبي.. ماذا فيها.. وكيف هي الحياة هناك.. كان الناس في تلك الفترة مفتونون بدبي.. والكل يود زيارتها..!
طال الحوار لفترة طويلة.. ثم انفض السامر.. وعرضت عليّ الفتاتان أن اخرج معهما في جولة للتعرف على معالم مدينة قم.. ولكن اعتذرت لان موعد سفري إلى طهران قد اوشك.. فاظهرن الحزن على ذلك.. بعدها عندما وصلت الإمارات تواصلت معي الفتاة الكبيرة وكانت لديها رغبة لزيارة دبي..!
وصلت مطار طهران بُعيد صلاة الفجر.. ونزلتُ في فندق صغير جميل نظيف.. كانت النظافة في طهران تسترعي الانتباه.. مدينة جميلة وشعب لطيف ودود.
ومساءً غادرت طهران إلى دبي بالطائرة الإماراتية.
كانت حصيلة رحلتي حوارًا حصريًا مع الرئيس الافغاني برهان الدين رباني وثلاث حلقات عن مدينة هيرات عن الحرب والسلام.
وكانت رحلة تستحق تلك المشقة والمعاناة .. وتستحق أن أصنف بعدها تصنيفا آخر فيه شبهةُ ارهاب.
عندما قدمت جواز سفري إلى القنصل المصري في دبي وذلك قبل عودتي من طهران بنحو شهر.. وكنت اعتزم السفر إلى مصر.. قال لي ضاحكا.. هل تريد أن تدخل مصر وعلى جوازك ختم دخول لإيران والي أفغانستان.. وكأني جمعت المجد من اطرافه..!!
ثم أعطاني تأشيرة الدخول إلى مصر وكتب في أعلى التأشيرة بين قوسين (معروف لدى البعثة) وكانت تلك الكلمات جواز دخولي إلى مصر الحبيبة.







