
أقارب بلا صلة رحم
في حياة كل واحد منا أشخاص لم تجمعنا بهم صلة دم ولا تربطنا بهم شجرة العائلة لكنهم مع مرور الأيام والسنوات يصبحون أقرب إلينا من كثير من الأقارب
نتقاسم معهم الأفراح والأحزان ونشهد معهم محطات العمر المختلفة ونطمئن لوجودهم في حياتنا حتى يصبحوا جزءاً أصيلاً من تفاصيلها .
أحياناً تدهشنا الحياة بعلاقات لم تصنعها الأنساب لكنها علاقات تظل تنمو بهدوء وتتغلغل في الأعماق حتى يصبح أصحابها جزءاً من العائلة دون قرار معلن ودون اتفاق مسبق حتي أن الأبناء ينادونهم بألقاب العائلة ويتعاملون معهم بعفوية الأقارب ولا يخطر ببالهم أن يسألوا عن درجة القرابة أو صلة الرحم ذلك لأن القلوب حسمت الأمر منذ زمن .
ولعل أجمل ما في هذه العلاقات أنها لا تقوم على واجب اجتماعي ولا تفرضها التقاليد بل تبنيها الأيام الجميلة والمواقف الصادقة والذكريات المشتركة ومع مرور الوقت يصبح لهؤلاء الأشخاص مكان لا ينازعهم عليه أحد مكان تحفظه الذاكرة ويصونه الود .
لذلك يظل للمعارف القديمة سحر خاص لا يبهت مهما طال عليها الزمن نلتقي بعد أعوام فنشعر كأننا لم نفترق أبداً، لا نحتاج إلى مقدمات طويلة ولا إلى تبرير سنوات الغياب فالقلوب التي تعارفت بصدق لا تفسدها المسافات بل ربما تزيدها الأيام رسوخاً .
وحين نجلس مع أصدقاء العمر نكتشف أننا لا نستعيدهم وحدهم بل نستعيد أجزاءً من أنفسنا تركناها في محطات بعيدة من العمر، نستعيد الضحكات القديمة والأحلام الأولى والوجوه التي مرت ذات يوم في حياتنا وتركت أثرها الجميل .
ولهذا يكون للقاء الأصدقاء القدامى طعم مختلف، طعم يشبه العودة إلى بيت قديم ما زال يحتفظ برائحة أهله .
لكن الإنسان حين يخلو إلى نفسه بعد انتهاء اللقاءات وانفضاض المجالس يكتشف أن أصعب ما في الفراق ليس لحظة الوداع ، وإنما أمنية اللقاء مرةً أخرى خاصةً في زمن فرقت فيه الحياة بين الأحبة ووزعتهم على مدن وبلدان شتى..
فلم يعد السؤال متى نلتقي بقدر ماهو.. هل تتيح لنا الأيام فرصة لقاء جديد؟
ومع ذلك يبقى الأمل أجمل ما نحمله في قلوبنا ويبقى الامتنان أكبر من الحزن ، امتناناً لأن الحياة منحتنا أشخاصاً لم تجمعنا بهم صلة رحم لكنها منحتنا معهم ما هو أعمق من القرابة ، منحتنا عائلةً أخرى اختارتها القلوب.
هذه الخواطر روادتني ونحن نودع الاستاذ فيصل محمد صالح ود. مرتضي الغالي وهم يغادرون القاهرة كل الي حيث يقيم فقد اجتمعنا بعد شتات في لقاء قصير اعاد الي سنوات قضيتها في صحيفة الخرطوم التي كانت لنا بمثابة الأسرة او العائلة وكل الأمنيات أن نجتمع مرةً أخري بعد هذا الشتات.
نبض الورد
يبقى الأمل في لقاء جديد أجمل ما نهزم به الفراق.


