دموع الورد

نهر النيل.. حين تتحول المهارة إلى مشروع للمستقبل

دموع الورد : د. نوال خضر

 

نهر النيل.. حين تتحول المهارة إلى مشروع للمستقبل

في المقال السابق تحدثت عن أهمية التدريب المهني باعتباره أحد المداخل الأساسية لبناء الاقتصاد واستعادة عافية الصناعة، وعن حاجتنا إلى كوادر فنية وسيطة تمتلك المهارة والقدرة على تحويل المعرفة إلى إنتاج. واليوم نقترب أكثر من هذه القضية من خلال تجربة ولاية نهر النيل، التي تقدم نموذجاً يستحق التوقف عنده، في اتجاه جعل التدريب المهني جزءاً من مشروع التنمية وبناء المستقبل.

فمن خلال المطبق التعريفي للمجلس الأعلى للتدريب المهني والتلمذة الصناعية بالولاية، نلمس رؤية تقوم على تطوير قدرات الشباب لبناء السودان الجديد، انطلاقاً من قناعة بأن المهن والحرف ليست مجرد وسيلة لكسب العيش، وإنما ركيزة أساسية في بناء المجتمعات وتعزيز قدرتها على الإنتاج.

وتتجاوز أهداف هذه الرؤية مجرد تعليم الشباب حرفة أو مهنة، لتشمل زيادة الإنتاج وتنويع مصادر الدخل، ورفع القدرات المهنية، وتحسين جودة المنتجات، والحد من الفقر والبطالة، وتعزيز الاعتماد على الذات، وتحويل الفرد من مستهلك إلى منتج قادر على الإسهام في مجتمعه.

ومن أبرز الخطوات التي تعكس هذا التوجه اكتمال المرحلة الأولى من مركز التدريب المهني والتلمذة الصناعية بالدامر، وهو إنجاز مهم في مسيرة التدريب المهني بالولاية، باعتباره بنية أساسية يمكن أن تنطلق منها برامج التأهيل والتدريب، وتُتاح عبرها فرص جديدة أمام الشباب لاكتساب المهارات الفنية والحرفية

وتكمن أهمية المركز في ما يمكن أن يقدمه من فرص لتأهيل الكوادر التي يحتاج إليها سوق العمل، خاصة في المجالات الفنية والصناعية، فضلاً عن دوره المنتظر في نشر ثقافة العمل المهني، وتوفير بيئة تساعد الشباب على الانتقال من مرحلة البحث عن فرصة عمل إلى امتلاك المهارة التي تمكنهم من صناعة هذه الفرصة بأنفسهم.

غير أن قيمة أي مركز تدريبي لا تقاس بمبانيه وتجهيزاته وحدها، وإنما بقدرته على تقديم برامج عملية متطورة، تستجيب لاحتياجات المجتمع وسوق العمل، وتواكب التحولات في مجالات الإنتاج والتقنية. وهو ما يتطلب الاهتمام بالمدربين، وتوفير المعدات، وتحديث المناهج، وتوسيع الشراكات مع المؤسسات والمصانع والقطاع الخاص.

وفي هذا الإطار تبرز أهمية الخطوة التى يسعي المجلس لتنفيذها و الخاصة بتنظيم أسبوع المهن والحرف والابتكار بولاية نهر النيل، تحت شعار «عقول تبتكر.. وأيادٍ تصنع»،

ويعد هذا الأسبوع مبادرة تستهدف إبراز قدرات طلاب مراكز التدريب المهني، وإتاحة الفرصة أمامهم لعرض ابتكاراتهم ومشروعاتهم، وربطها بالمستثمرين وأصحاب الأعمال، وفتح مسارات للتوظيف والشراكات مع القطاع الخاص.

وإذا ما رأى هذا الأسبوع النور وخرج  إلى أرض الواقع، فإنه  يشكل إضافة مهمة لمسيرة التدريب المهني، ليس فقط من خلال عرض منتجات المتدربين وابتكاراتهم، وإنما أيضاً عبر تقريب المسافة بين مؤسسات التدريب وسوق العمل، وإظهار قيمة المهارات التي يكتسبها الشباب، وتغيير النظرة المجتمعية إلى التعليم المهني والحرف.

وبالطبع فإن الطريق أمام هذه التجربة لا يخلو من تحديات، فهناك حاجة مستمرة إلى تطوير الإمكانات، وتوفير المعدات والموارد، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية التدريب المهني، وتحقيق التنسيق بين برامج التدريب واحتياجات سوق العمل. وهي مسؤوليات تتطلب عملاً متواصلاً وشراكات حقيقية حتى تتحول الخطط إلى نتائج ملموسة.

إن تجربة ولاية نهر النيل تستحق الاهتمام والمتابعة، لا لأنها تقدم نموذجاً مكتملاً لا تعتريه الصعوبات، بل لأنها تمضي في اتجاه مهم، وتضع التدريب المهني في موقعه الصحيح ضمن أولويات التنمية، وتفتح الباب أمام رؤية يمكن أن تتطور وتتسع إذا وجدت الدعم والإرادة والاستمرارية.

فالسودان الذي يتطلع إلى إعادة البناء يحتاج إلى مهندسين ومخططين، لكنه يحتاج بالقدر نفسه إلى فنيين وحرفيين ومهنيين يعرفون كيف يحولون الخطط إلى واقع، وكيف يعيدون للمصانع والورش ومؤسسات الإنتاج قدرتها على العمل.

نبض الورد:

حين نمنح الشباب مهارة، فإننا لا نمنحهم فرصة للعمل فحسب، بل نمنح الوطن فرصة للنهوض.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى