مقالات

رسالة في بريد السيد وزير الداخلية : العدل أساس الحكم

بقلم :  د. الشاذلي عبداللطيف

العدل أساس الحكم

قال الله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾

وقال سبحانه:

﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾

إلى معالي وزير الداخلية

الفريق شرطة / بابكر سُمرة مصطفى

وزير الداخلية

معالي الوزير،

إن العدالة في الحقوق الوظيفية ليست مجرد قيمة أخلاقية تُتداول في الخطاب العام، بل هي قاعدة قانونية راسخة يقوم عليها استقرار المؤسسات وثقة منسوبيها فيها. وقد استقر الفقه الإداري على أن مبدأ المساواة بين أصحاب المراكز القانونية المتشابهة يمثل أحد أهم ضمانات العدالة في الإدارة العامة، وأن أي تفاوت غير مبرر في تطبيق القواعد الوظيفية يؤدي بطبيعته إلى نشوء التظلمات والنزاعات الإدارية.

وفي المؤسسات النظامية يكتسب هذا المبدأ أهمية مضاعفة، لأن الخدمة فيها تقوم على قواعد واضحة أهمها نظام الدفعات والتدرج الوظيفي وفق سنوات الخدمة. فالضابط حين يلتحق بالمؤسسة يسير مع دفعته في مسار مهني واحد، تتحدد مراحله بالترقيات التي تعكس سنوات الخدمة والخبرة المتراكمة. ولذلك فإن أبناء الدفعة الواحدة يُعدّون في الأصل في مركز قانوني متماثل ما لم يوجد سبب نظامي يبرر خلاف ذلك.

ومن المبادئ المستقرة في القانون الإداري أن المساواة لا تعني التسوية الشكلية بين الجميع، وإنما تعني معاملة الحالات المتشابهة معاملة متشابهة، وعدم التسوية بين حالات تختلف في طبيعتها أو في ظروفها الموضوعية. ومن ثم فإن التسوية بين من خدم في رتبة معينة سنوات معتبرة وبين من لم يخدم فيها تمثل في حقيقتها مساواة غير عادلة لأنها تتجاهل الفارق الحقيقي في سنوات الخدمة والخبرة.

وقد أظهرت بعض حالات تسوية المعاشات وجود تفاوت في التطبيق أدى إلى تساوٍ في الحقوق بين حالات مختلفة في واقعها الوظيفي. ومثل هذا التفاوت يفتح بطبيعته باب التظلمات الإدارية، لأن الضابط الذي يرى أن مركزه القانوني لم يُحتسب على نحو صحيح يلجأ إلى وسائل التظلم طلباً لإنصافه.

معالي الوزير،

إن معالجة هذه المسألة لا ينبغي أن تكون معالجة جزئية لحالات فردية، بل ينبغي أن تتجه إلى وضع قاعدة قانونية عامة تحقق المساواة وتغلق باب التظلمات من أساسه. فالقاعدة القانونية الواضحة والمستقرة هي الضمان الحقيقي للاستقرار الإداري، لأنها تمنع الاجتهادات المختلفة في تفسير الحقوق.

وانطلاقاً من ذلك، فإن الحل الأكثر اتساقاً مع مبادئ العدالة الإدارية يتمثل في اعتماد معيار موضوعي واضح يقوم على أساس المسار الطبيعي للخدمة النظامية، وهو مسار الدفعة والتدرج الوظيفي.

وعليه فإن المعيار العادل لتسوية الحقوق يتمثل في اعتماد قاعدة واضحة تقضي بأن تتم تسوية حقوق كل ضابط وفق أعلى رتبة وصلت إليها دفعته في الخدمة، باعتبارها المرجع الطبيعي للمركز القانوني الذي يفترض أن يستقر عليه الضابط في نهاية خدمته.

إن اعتماد هذا المعيار يحقق عدة نتائج قانونية مهمة؛ فهو أولاً يرسخ مبدأ المساواة بين أبناء الدفعة الواحدة باعتبارهم في مركز قانوني واحد، وثانياً يزيل التفاوت الذي قد ينشأ نتيجة اختلاف إجراءات التسوية، وثالثاً يسهم في جبر الضرر الإداري الذي قد يكون قد وقع نتيجة هذا التفاوت.

كما أن هذا المعيار يتميز بميزة قانونية مهمة، وهي أنه يضع قاعدة عامة واضحة قابلة للتطبيق على جميع الحالات، الأمر الذي يؤدي بطبيعته إلى تقليل التظلمات والنزاعات الإدارية، لأن الأساس الذي تُحدد عليه الحقوق يصبح معروفاً ومستقراً.

معالي الوزير،

إن هذه المسألة لم تعد مسألة إجرائية بقدر ما أصبحت حاجة إلى قرار سيادي واضح يعيد الأمور إلى ميزان العدالة ويضع حداً لاختلاف التفسيرات. فالقضايا التي تمس حقوق فئات واسعة من منسوبي المؤسسات النظامية تحتاج إلى قرارات حاسمة تعيد الاستقرار القانوني وتغلق أبواب النزاع.

إن إصدار قرار واضح يعتمد هذا المعيار ويلزم الجهات المختصة بتطبيقه من شأنه أن يعيد الطمأنينة إلى نفوس الضباط المتقاعدين، ويؤكد أن الدولة لا تزال وفية لمبدأ العدل الذي قامت عليه مؤسساتها.

فالعدل حين يُطبق على أساس قاعدة واضحة لا ينصف الأفراد فحسب، بل يحمي المؤسسة نفسها من النزاعات، ويغلق أبواب التظلمات، ويعزز الثقة في عدالة الدولة التي لا تنسى رجالها الذين أفنوا أعمارهم في خدمة أمنها واستقرارها.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى