
الصمغ العربي بين السعر والقيمة
• يقول أوسكار وايلد:
“الساخر (the cynic) رجل يعرف سعر كل شيء، ولا يعرف قيمة أي شيء.”
• هذه المقولة لا تعني مجرد توصيف أدبي، بل تمثل إطارًا عميقًا لفهم كثير من النقاشات الاقتصادية التي تختزل قيمة الموارد في أرقام صادراتها فقط، دون النظر إلى أبعادها التنموية والاستراتيجية والإنسانية.
• وينسحب هذا الفهم على النقاش الدائر حول الصمغ العربي في السودان، حيث تُطرح أحيانًا مقارنات تقول إن عائده “ضعيف” مقارنة بمحاصيل أخرى مثل السمسم أو الفول السوداني، اعتمادًا على قيمة الصادرات المباشرة فقط.
• صحيح أن الصمغ العربي كان يدر ما بين 110 إلى 150 مليون دولار سنويًا قبل الحرب، وأن السمسم يتجاوز 500 مليون دولار، والفول السوداني حوالي 165 مليون دولار. كما أن إجمالي صادرات الصمغ في صورته الخام عالميًا لا يتجاوز قرابة 300 مليون دولار سنويًا. لكن هذا النوع من المقارنة يبقى قاصرًا إذا اكتفى بالسعر وأهمل القيمة.
• فالتحليل الاقتصادي الأوسع لا يقف عند حدود الرقم الحالي، بل يمتد إلى حجم السوق الممكن، حيث يدخل الصمغ العربي ضمن سوق عالمي للغرويات يُقدَّر بأكثر من 12 مليار دولار، مع توقعات تتجاوز 20 مليار دولار خلال العقد القادم، في منافسة مع مواد مثل الجيلاتين والزانثان والكاراجينان في الصناعات الغذائية والدوائية. وهنا تتضح الفجوة الحقيقية: ليست في قيمة الصمغ، بل في ضعف التصنيع المحلي وغياب سلاسل القيمة المضافة.
• كما أن الصمغ العربي يتميز بكونه محصولًا بريًا يعتمد على الطبيعة ولا يحتاج إلى مدخلات مادية كبيرة أو استثمارات زراعية مرتفعة، على عكس المحاصيل المقارنة به مثل السمسم أو الفول السوداني التي تتطلب مدخلات إنتاج عالية وتكاليف زراعية وتمويلية معتبرة من أسمدة وريّ وعمالة. وهذا يمنحه ميزة اقتصادية خفية تتمثل في انخفاض تكلفة الإنتاج واتساع قاعدة المشاركة الريفية فيه.
• إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والبيئي للصمغ العربي، فهو يشكل مصدر دخل مباشر لملايين السكان في الحزام الشجري، ويساهم في مكافحة التصحر، وتعزيز التوازن البيئي، وترسيخ الاستقرار الريفي، في نظام إنتاجي منخفض التكلفة وعالي الاستدامة.
• وفي هذا السياق، يصبح اختزال الصمغ العربي في رقم تصديري ضيق نوعًا من القراءة “الساخرة” بمعناها الذي حذّر منه أوسكار وايلد: معرفة السعر دون إدراك القيمة.
• وقد جاء في الحديث المروي عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى كسرة ملقاة، فقال: يا عائشة أحسني جوار نعم الله عليك، فإنها قلَّ إن نفرت عن قوم فكادت ترجع إليهم.
• وهذا المعنى ينسحب على النعم الاقتصادية أيضًا؛ إذ إن الموارد إذا أُهملت أو لم تُحسن إدارتها، قلّ أن تعود أو تحافظ على قيمتها.
• الخلاصة: إن أخطر ما يهدد الموارد ليس قلتها، بل سوء تقديرها. فالأمم لا تسقط لأنها بلا ثروات، بل لأنها تنظر إلى ثرواتها بعين “السعر” وتغفل “القيمة”. ومن ينظر إلى الصمغ العربي بعين الرقم فقط، فهو يختزل فرصة تنموية كبرى في خانة الإهمال، ويعيد إنتاج عقلية لا ترى في النعمة إلا ثمنها العابر، حتى تضيع النعمة ويضيع معها المستقبل.
• ويأتي هذا الطرح تعقيبًا على مقالين نُشرا في بعض القروبات حول الصمغ العربي، دار فيهما نقاش يختزل قيمته في عائداته التصديرية فقط.







