مقالات

من الوعي بالمشكلة إلى تطبيق استراتيجية النهوض الزراعي: رؤية متكاملة للتطوير

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

من الوعي بالمشكلة إلى تطبيق استراتيجية النهوض الزراعي: رؤية متكاملة للتطوير

من التشخيص السطحي إلى المعالجة الجذرية

بناء النهضة يبدأ بفهم التحديات الحقيقية وتجاوز الحلول السطحية نحو معالجات جذرية تحفز التنمية وتحقق الرفاه الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي. هكذا كانت نقطة الانطلاق حين أدركت أن مشكلات الزراعة لا تكمن في وفرة الموارد، بل في القدرة على تطبيق استراتيجية علمية قابلة للتنفيذ تحلل الواقع وتبني عليه مسارات عملية للنهوض.

في عام 2005م، التقيت بالدكتور أبو سفيان أحمد البشير، أستاذ مساعد بجامعة الجزيرة، وتحدثت معه عن دور التأمين الزراعي في تقليل المخاطر، فأوضح أن مشروع الجزيرة لا يعاني من مخاطر زراعية حقيقية، بل مشكلاته إدارية وضعف كفاءة تشغيلية، وأن التأمين الزراعي يمثل عبئًا إضافيًا في ظل توفر مقومات الإنتاج. هذا اللقاء كان حافزًا للتفكير العميق في ضرورة تجاوز المسائل الظاهرية والتركيز على جذور الإشكالات.

من هنا برزت فكرة إعداد مشروع متكامل للتنمية الزراعية، يهدف إلى تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، وتأمين الغذاء، وتطوير الريف ليكون جاذبًا للسكان، والحد من الهجرة إلى المدن. في ذلك الوقت، كان من أفضل الخيارات البحثية المطروحة من قبل جامعة أم درمان الإسلامية مشروع بعنوان “الآثار الاجتماعية والاقتصادية للاستراتيجية الزراعية بالتطبيق على مشروع الجزيرة”، وتم تقديمه كمبادرة علمية للخروج من دوامة الأزمات الاقتصادية.

باشرت العمل على المشروع وقابلت البروفيسور الريح النعيم الحاج الخليفة، رئيس قسم الاقتصاد والتنمية الريفية بجامعة أم درمان الإسلامية، وأحد أبرز المحكمين الدوليين. ألقى نظرة سريعة على عنوان البحث، وقبل أن يجلس قال ملاحظتين علميتين مهمتين: تقديم الجانب الاقتصادي على الاجتماعي، وتحديد الفترة الزمنية للاستراتيجية. وهكذا أصبح العنوان النهائي: “الآثار الاقتصادية والاجتماعية للاستراتيجية الزراعية بالتطبيق على مشروع الجزيرة في فترة محددة”. كانت هذه التجربة نقطة تحول حقيقية، علمتني أن النجاح لا يكمن في حسن صياغة الاستراتيجيات فقط، بل في تهيئة بيئة التطبيق الواقعي وتحويل الرؤية إلى خطوات عملية قابلة للإنجاز.

الإطار التكاملي للنهوض الزراعي: مداخل حديثة وتطبيقات رائدة

انطلاقًا من التشخيص السابق، وفي ضوء مفاهيم الإدارة الحديثة، والتخطيط الاستراتيجي، والحوكمة، والرقمنة، والتجارب الدولية الرائدة، يمكن بناء رؤية متكاملة للنهوض بالقطاع الزراعي تقوم على محاور أساسية:

أولاً: الإدارة الحديثة والتخطيط الاستراتيجي التشاركي

يتطلب النهوض الزراعي الانتقال من التخطيط المركزي الجامد إلى التخطيط التشاركي الذي يشرك المزارعين في وضع الخطط، مع تطبيق نظم الإدارة بالأهداف ومؤشرات قياس الأداء في المشروعات الزراعية الكبرى.

ثانياً: الحوكمة والشفافية في إدارة المشروعات الزراعية

لا يمكن تحقيق تنمية زراعية حقيقية دون إنشاء أنظمة رقابية مستقلة لإدارة مشروع الجزيرة ومشروعات الري، بحيث يتم الفصل بين الإدارة والتشغيل والرقابة، مع تطبيق مبادئ الإفصاح والشفافية في توزيع المدخلات.

ثالثاً: الرقمنة والتحول الرقمي في الخدمات الزراعية

يمثل التحول الرقمي نقلة نوعية، من خلال إنشاء منصة رقمية متكاملة للمزارعين تشمل الخرائط الحقلية، والتوصيات الفنية، وأسعار المدخلات والمحاصيل، والتنبؤات الجوية، وتطوير تطبيقات ذكية للتمويل والتأمين الزراعي الرقمي.

رابعاً: الزراعة التعاقدية (Contract Farming)

يسهم تطبيق نظام الزراعة التعاقدية بين المزارعين والمصانع التحويلية في ضمان استقرار الأسعار وتقليل المخاطر التسويقية، ويتطلب ذلك وضع إطار قانوني منظم يضمن حقوق الطرفين.

خامساً: المدارس الحقلية (Farmer Field Schools)

تمثل المدارس الحقلية أداة فعالة لنقل التكنولوجيا وتدريب المزارعين على الممارسات الجيدة، من خلال منهج “التعلم بالممارسة” تحت إشراف مهندسين متخصصين.

سادساً: التصنيع الزراعي والقيمة المضافة

يتطلب تحقيق القيمة المضافة إنشاء مناطق صناعية زراعية متكاملة حول المشروعات الكبرى لتحويل المحاصيل من مواد خام إلى منتجات نهائية، مع التوسع في صناعات التعبئة والتغليف والتبريد والتصنيع الغذائي.

سابعاً: الاستفادة من التجربة الصينية

تقدم التجربة الصينية نموذجًا ملهمًا في تحويل الأراضي القاحلة إلى أراضٍ منتجة عبر السياسات الداعمة والتمويل الميسر، مع ضرورة مواءمة هذه التجارب مع الخصوصية المؤسسية والبيئية المحلية لضمان نجاح النقل والتوطين.

توصيات قابلة للقياس

في ضوء المحاور السابقة، يمكن تقديم حزمة من التوصيات العملية القابلة للقياس، والتي ترسم خارطة طريق واضحة للنهوض بالقطاع الزراعي:

أولاً: في مجال الإدارة الحديثة، يوصى بتطبيق نظام إدارة الأداء في المشروعات الزراعية، بحيث يتم قياس نسبة المشروعات التي تطبق مؤشرات الأداء الرئيسية وترفع تقارير ربع سنوية، مع الاعتماد على مصادر تمويل متنوعة تشمل الشراكات مع القطاع الخاص والتمويل التنموي.

ثانياً: في مجال الحوكمة، يوصى بفصل جهات الإشراف عن جهات التشغيل والرقابة، من خلال إنشاء هيئة رقابة مستقلة لمشروع الجزيرة خلال عام واحد، تتمتع بصلاحيات كاملة، على أن يتم تمويلها عبر مزيج من الدعم الحكومي وشراكات التنمية الدولية.

ثالثاً: في مجال الرقمنة، يوصى بإطلاق منصة رقمية متكاملة للخدمات الزراعية، تستهدف تسجيل مليون مزارع كمرحلة أولى، مع توفير خدمات الإرشاد والتمويل والتسويق، بالاستفادة من استثمارات شركات التكنولوجيا وصناديق التحول الرقمي.

رابعاً: في مجال الزراعة التعاقدية، يوصى بتطوير عقود موحدة ملزمة قانونيًا بين المزارعين والمصانع، مع العمل على زيادة نسبة المساحات المزروعة بنظام التعاقد إلى 30% خلال ثلاث سنوات، من خلال حوافز ضريبية وتمويل مصرفي ميسر.

خامساً: في مجال المدارس الحقلية، يوصى بإنشاء مدرسة حقلية في كل وحدة إدارية زراعية، بمعدل 100 مدرسة سنويًا، مع توفير المناهج التدريبية، بالتعاون مع منظمات الأمم المتحدة للأغذية والزراعة وبرامج التنمية الريفية.

سادساً: في مجال التصنيع الزراعي، يوصى بإنشاء مناطق صناعية زراعية في الولايات الرئيسية، تستهدف إنشاء 20 مصنعًا خلال خمس سنوات، عبر شراكات استثمارية مع القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وصناديق التنمية الصناعية.

سابعاً: في مجال الاستفادة من التجارب الدولية، يوصى بتوقيع اتفاقيات تعاون فني مع الجانب الصيني، وتنفيذ ثلاثة مشروعات تجريبية مشتركة كمرحلة أولى، بتمويل من برامج التعاون الدولي والمنح التنموية، مع إنشاء وحدة متخصصة لتقييم التجارب ومواءمتها مع البيئة المحلية.

النهضة الزراعية الحقيقية لا تبدأ بشعارات التعبئة، بل بتشخيص دقيق للمشكلة، واستعداد لمراجعة النماذج التقليدية، وانفتاح واع على التجارب الرائدة مع مراعاة الخصوصية المحلية. لقد علمتنا تجربة مشروع الجزيرة أن توفر الماء والأرض لا يكفي، بل لا بد من إدارة رشيدة، وحوكمة شفافة، وتقنية حديثة، وتصنيع محلي، وتسويق ذكي.

النهضة الزراعية هي مشروع وطن، لا يمكن اختزاله في موسم زراعي أو قرار إداري. إنها رؤية بعيدة المدى، تستوعب دروس الماضي، وتستشرف تحديات المستقبل، وتستثمر في الإنسان قبل الأرض. وعندما تمتلك الأمة استراتيجية واعية، وكوادر مؤهلة، وإرادة سياسية صادقة، وتمويلًا مستدامًا، يصبح الأمن الغذائي حقيقة واقعة، والريف جاذبًا لأبنائه، والزراعة قاطرة للتنمية الشاملة.

الوعي بالمشكلة هو بداية الحل، والحل الجذري هو بداية النهضة، والنهضة المستدامة هي عنوان المستقبل.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى