
الدولة والانسان بين سلطة التنظيم وواجب الرحمة
تطرح قضية ازالة السكن العشوائي في ولاية الخرطوم بوصفها ضرورة تنظيمية لا خلاف حولها لما تمثله هذه المناطق من تحديات امنية وصحية واجتماعية. غير ان جوهر الاشكال لا يكمن في القرار نفسه بل في الكيفية التي ينفذ بها وفي غياب رؤية متكاملة توازن بين متطلبات الدولة وحقوق الانسان. وهنا يتحول النقاش من مسألة عمرانية الى سؤال فلسفي عميق هل وجدت الدولة لتنظيم المكان ام لحماية الانسان
لقد اشار احد حكماء الفلسفة القديمة الى ان العدالة ليست مجرد ترتيب ظاهري للاشياء بل انسجام يضمن لكل فرد مكانه دون ظلم او اقصاء. هذه الفكرة تعيد طرح نفسها اليوم في سياق القرارات التي تمس حياة الفئات الاضعف حيث يصبح معيار النجاح ليس في ازالة العشوائيات بل في كيفية التعامل مع سكانها
السيد والي ولاية الخرطوم
ان تشريد الفقراء لا يمكن ان يعد اصلاحا بل هو انتقال بالازمة من شكل الى اخر. فهؤلاء المواطنون لم يختاروا العيش في العشوائيات ترفا بل دفعتهم ظروف اقتصادية قاسية الى ذلك. الفقر ليس جريمة تعالج بالجرافات بل واقع يحتاج الى سياسات عادلة تعالج جذوره. وعندما تزال البيوت دون توفير بدائل حقيقية فان ذلك لا يحقق تنظيما بل ينتج عشوائية اكثر قسوة
من الناحية السياسية تضعف هذه الاجراءات الثقة بين المواطن والدولة اذ يشعر المتضررون بانهم خارج معادلة الاهتمام. اما امنيا فان الاستقرار لا يتحقق بازالة الاحياء فقط بل بتوفير بيئة بديلة تضمن الامان والاستقرار فالتشريد قد يؤدي الى اعادة انتاج الظاهرة في مناطق اخرى وربما بشكل اكثر تعقيدا
اجتماعيا تمثل هذه الاحياء رغم هشاشتها حاضنة لعلاقات انسانية وشبكات تضامن مهمة. اقتلاع السكان منها دون بديل يعني تفكيك هذه الروابط وترك الافراد في مواجهة مصير مجهول وهو ما يضاعف من معاناتهم خاصة الفئات الاكثر ضعفا
اقتصاديا لا يمكن فصل العشوائيات عن الفقر وارتفاع تكاليف المعيشة وغياب سياسات الاسكان الميسر. لذلك فان اي معالجة لا تتضمن حلولا اقتصادية حقيقية ستظل قاصرة بل وقد تؤدي الى تفاقم المشكلة بدل حلها
السيد الوالي
هناك فرق جوهري بين ازالة السكن العشوائي ومعالجة السكن العشوائي. الاولى قد تحسن المظهر العام لكنها لا تعالج السبب اما الثانية فتتطلب رؤية شاملة تبدأ بتوفير سكن بديل وخدمات اساسية وانتقال منظم يحفظ كرامة الانسان
ان الدولة التي تسبق الهدم بالبناء تجسد معنى العدالة اما التي تهدم اولا ثم تبحث عن الحلول لاحقا فانها تخاطر بتعميق الازمة. الاصلاح الحقيقي لا يكون على حساب الاضعف بل يبدأ بحمايتهم
ختاما
ان اختبار الدول الحقيقي لا يكون في قدرتها على فرض النظام بل في قدرتها على تحقيق العدالة دون ان تدهس الضعفاء في الطريق. فالتاريخ لا يذكر كيف هدمت المدن العشوائية بل كيف صانت كرامة انسانها. وبين الهدم والبناء تقف مسؤولية اخلاقية لا تحتمل التأجيل اما ان تكون الدولة حامية لمواطنيها او شاهدة على معاناتهم
ان الطريق الى الاصلاح لا يمر فوق اجساد الفقراء بل يبدأ من انصافهم ووضعهم في قلب القرار فابنوا قبل ان تهدموا وانصفوا قبل ان تقرروا
قال تعالى: ان الله يأمر بالعدل والاحسان







