مقالات

الاستراتيجية: من التخطيط إلى التنفيذ فجوة الواقع لا الفكرة

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

الاستراتيجية: من التخطيط إلى التنفيذ

فجوة الواقع لا الفكرة

قراءة استراتيجية في النظرة السودانية للتخطيط والتنفيذ

حين تبقى الاستراتيجيات حبيسة الأدراج

لم تكن الاستراتيجية الزراعية لعام 1991 مجرد وثيقة نظرية، بل كانت فرصة تاريخية لتحويل السودان إلى دولة رائدة في الإنتاج الزراعي والصناعي. أُرفقت هذه الاستراتيجية بميزانية محددة، وتزامن إعدادها مع دخول عائدات البترول إلى الموازنة العامة، ما جعلها أداة حقيقية للتنمية الشاملة لو وُجهت الموارد التنفيذية نحو تحقيق أهدافها.

لكن للأسف، تم توجيه البترول نحو التنمية الحضرية، وبقيت الاستراتيجية حبيسة الأدراج. ما حدث لم يكن نتيجة نقص في الكفاءات أو الإمكانات، بل نتيجة غياب الإرادة الجادة لربط التخطيط بالتمويل والتنفيذ الفعلي. وقد حملت هذه الاستراتيجية شعاراً طموحاً لا يزال عالقاً في الأذهان: “فلنأكل مما نزرع، ونلبس مما نصنع”. وقد وُصفت بأنها صالحة لأكثر من ربع قرن، بما يعكس طموحاً استراتيجياً بعيد المدى لم يُكتب له التحقق.

في ذات الحقبة، برزت استراتيجية توطين العلاج ومشروع مصنع الشفاء كمحاولة لترجمة الرؤية إلى واقع ملموس. لكن المشروع توقف عند منتصف الطريق، لتظل الاستراتيجيات مجرد حبر على ورق، متأثرة بالضغوط الداخلية والخارجية، والضعف المؤسسي في ربط الخطط بالتمويل والمتابعة.

وفي العام 2020، صدرت “الاستراتيجية الوطنية للتنوع البيئي” كإطار لحماية الموارد الطبيعية، لكنها واجهت المصير ذاته بسبب نقص التمويل وضعف التنسيق المؤسسي. كما أن “موجهات موازنة 2026” التي صدرت مؤخراً تضمنت إشارات إلى الحوكمة والتخطيط الاستراتيجي، غير أن نجاحها يبقى رهناً بوجود إرادة حقيقية للتنفيذ .

جوهر الإشكال: التخطيط دون التنفيذ

إن الإشكال في السودان ليس في غياب الخطط، بل في غياب آليات تنفيذية فعّالة. غالباً ما تُعد الاستراتيجيات وفق معايير SMART (محددة، قابلة للقياس، قابلة للتنفيذ، واقعية، ومرتبطة بزمن)، لكنها تصطدم ببيئة تنفيذية غير مواتية. فالخطط موجودة في دواوين الدولة، معلقة على الجدران، لكنها لا تُترجم إلى برامج عملية، ولا توجد آليات ربط واضحة بين الموازنة والنتائج، ولا متابعة دقيقة للأداء.

وتؤكد التجارب الشخصية هذا الواقع المرير: عند البحث عن نسخ قديمة من استراتيجيات التنمية، وجد بعضها “لم يجد زبوناً ورُمي في الزبالة”، بينما احتفظ آخرون بنسخ نادرة في الطوابق السفلى للوزارات، مما يعكس غياب الاهتمام بتحويل العلم إلى عمل ملموس، وفقداناً للذاكرة المؤسسية التي كان يمكن البناء عليها.

وتشير التقديرات إلى أن نسبة تنفيذ الاستراتيجيات الوطنية في السودان لا تتجاوز 30% في أحسن الأحوال، مع غياب شبه كامل لتقارير المتابعة الدورية المنشورة، وعدم ربط الموازنات السنوية بأهداف الاستراتيجيات المعتمدة. وقد كشفت وثائق موازنة 2025 أن الإيرادات العامة حققت نسبة أداء 147%، لكن هذا التحسن تحقق عبر الضرائب والرسوم التي أرهقت المواطنين، وليس عبر تنمية الإنتاج الحقيقي، مما يعكس استمرار الخلل الهيكلي ذاته: التركيز على التمويل بعيداً عن خطط التنمية الإنتاجية.

ويشير خبراء اقتصاد إلى أن غياب الرؤية الاقتصادية الواضحة وسوء الإدارة المزمن هما جذور الأزمة، حيث ظل السودان يعتمد على تصدير المواد الخام من دون تطوير صناعات تحويلية، وفشلت الاستثمارات في القطاعات الحيوية كالزراعة والصمغ العربي، بينما كانت عائدات الذهب تخرج من الخزينة العامة.

نماذج في التفعيل الجاد

الفارق الجوهري بين السودان والدول الأخرى لا يكمن في وفرة الوثائق، بل في جودة التفعيل. في قطر، تُنفذ القرارات ضمن إطار استراتيجيات معلنة، ويبدأ خطاب الإعلام الرسمي دائمًا بالإشارة إلى الاستراتيجية الوطنية ورؤية 2030. وفي سنغافورة، تُربط الخطط بالموازنات والقرارات التنفيذية، ويخضع التنفيذ لرقابة دقيقة وتقييم دوري، مع إنشاء وحدات متابعة مستقلة ترفع تقاريرها مباشرة لمجلس الوزراء.

أما في ألمانيا واليابان، فتمتد الاستراتيجيات الوطنية لعقود، مع آليات تكيف وتحديث دورية تضمن استمراريتها وملاءمتها للمتغيرات. وفي دول الخليج، أصبحت مؤشرات الأداء جزءاً من الثقافة المؤسسية، وترتبط تقييمات القيادات بمدى تحقيقها لأهداف الاستراتيجيات.

ما يميز هذه التجارب هو وجود إرادة سياسية واضحة، وأطر مؤسسية راسخة، وآليات متابعة صارمة، وثقافة تنفيذية تضع النتائج فوق المخرجات.

جذور الفجوة: لماذا تبقى الخطط معلقة؟

تعود فجوة التنفيذ في السودان إلى عدة عوامل متراكبة:

أولاً: غياب الربط بين التخطيط والتمويل، حيث تُعد الخطط بمعزل عن الموازنات العامة، وتُعتمد المشاريع دون تخصيص موارد كافية لتنفيذها. وحتى عندما تتحسن الإيرادات كما حدث في 2025، فإنها لا تُوجه وفق أولويات استراتيجية واضحة.

ثانياً: ضعف آليات المتابعة والتقييم، مع غياب وحدات مستقلة وفاعلة لرصد الأداء، وندرة التقارير الدورية المنشورة، وعدم وجود عقوبات أو حوافز مرتبطة بالتنفيذ. ويؤكد خبراء أن المؤسسات المالية عاجزة والجهاز الإداري ضعيف، مع غياب بيانات دقيقة عن الفقر والعمالة يصعّب رسم السياسات الفعّالة.

ثالثاً: هشاشة الاستقرار المؤسسي، حيث يؤدي تغير الحكومات والقيادات إلى تغيير الأولويات وإهمال الاستراتيجيات السابقة، بغض النظر عن جودتها. وقد تفاقمت هذه المشكلة مع استمرار الحرب وتقسيم البلاد إلى مناطق سيطرة متعددة، مما جعل من المستحيل تطبيق أي خطة وطنية موحدة.

رابعاً: ثقافة “الخطة للرف”، حيث تتحول الاستراتيجيات إلى وثائق شكلية للعرض في المؤتمرات والمناسبات، دون أن يكون لها أثر حقيقي على القرارات اليومية. وتستمر هذه الثقافة رغم محاولات إعداد استراتيجيات جديدة، كتلك المتعلقة بالتنوع البيئي أو موجهات الموازنة الطارئة.

خامساً: غياب المساءلة، إذ نادراً ما يُساءل مسؤول عن عدم تنفيذ استراتيجية معتمدة، مما يعزز ثقافة الإفلات من المسؤولية.

سادساً: تشير تقارير 2025 مع تنازع على ولايتي كردفان. هذا الواقع الجغرافي الجديد ينذر بانقسام فعلي طويل الأمد، ويعمق الانقسامات الاجتماعية والاقتصادية، مما يجعل أي تخطيط وطني شامل شبه مستحيل في ظل غياب سلطة مركزية موحدة. وتشير تقديرات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي واصل الانكماش للسنة الثانية، مع تضخم تجاوز 120% وارتفاع البطالة إلى 55.8%.

إطار التحول المطلوب

الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ يحتاج إلى تحول متكامل على ثلاثة مستويات:

التحول المؤسسي: بناء أطر راسخة تربط التخطيط بالتمويل والمتابعة، مع إنشاء وحدات متابعة مستقلة في كل وزارة، وآليات مساءلة فعالة. وقد تضمنت موجهات موازنة 2026 إشارات إلى تطبيق الحوكمة والشفافية وتعزيز التخطيط الاستراتيجي، وهو مؤشر إيجابي إن تحول إلى واقع ملموس.

التحول الثقافي: ترسيخ ثقافة تنفيذية تضع النتائج فوق المخرجات، وتجعل من مؤشرات الأداء جزءاً من القرارات اليومية.

التحول القيادي: وجود نخب قيادية تتبنى منهجية الإدارة بالأهداف، وتخضع نفسها للمساءلة والمراجعة الدورية.

ويؤكد خبراء اقتصاد أن أي تعاف حقيقي يبدأ بالشفافية والإصلاح المؤسسي، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه، وكبح التضخم، ودعم الزراعة والمشروعات الصغيرة. كما يشددون على أن الاتفاق السياسي شرط أساسي للتعافي، فلا يمكن تحقيق الاستقرار المالي أو تنفيذ مشاريع التنمية من دون أن يفتح الباب لإصلاحات جذرية.

توصيات :

أولاً: ربط الخطط بالموازنات

يتطلب تجاوز الفجوة تخصيص نسبة محددة من الميزانية العامة لكل مشروع استراتيجي، مع إلزام الجهات التنفيذية بتقديم تقارير ربع سنوية عن مدى الإنجاز. تتولى وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي تنفيذ هذا الإجراء، على أن يستهدف مؤشر قياس يتمثل في نسبة المشاريع الممولة والمنفذة وفق الخطة خلال ثلاث سنوات.

ثانياً: تفعيل آليات المتابعة والتقييم

يقترح إنشاء وحدات متابعة مستقلة في كل وزارة، مسؤولة عن رصد تنفيذ الاستراتيجيات ورفع تقارير دورية منشورة. تتولى الأمانة العامة لمجلس الوزراء الإشراف على هذه الوحدات، مع قياس الأداء بعدد المشاريع التي تم تقييمها ونشر تقاريرها سنوياً.

ثالثاً: تعزيز الكفاءات الوطنية

لمعالجة الفجوة بين الخبرات المتاحة والتنفيذ، يقترح استقطاب الخبراء الوطنيين في الداخل والخارج للمساهمة في تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، عبر برامج استشارية محددة. تتولى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تنفيذ هذا البرنامج، مع قياس أثره بعدد الخبراء المشاركين وتأثيرهم في إنجاز المشاريع سنوياً.

رابعاً: تطوير الثقافة المؤسسية

يتطلب التحول تدريب القيادات والإدارات الوسطى على ربط التخطيط بالتنفيذ، وإدراج مؤشرات الأداء في تقييم الأداء اليومي. تتولى وحدة تطوير الإدارة العامة بوزارة الحكم الاتحادي تنفيذ هذا البرنامج، بهدف الوصول إلى نسبة لا تقل عن 80% من الإدارات التي تعتمد مؤشرات تنفيذية مرتبطة بالاستراتيجية خلال خمس سنوات.

خامساً: التوثيق وإتاحة المعرفة

لتجنب فقدان الذاكرة المؤسسية، يقترح حفظ الخطط التاريخية والمعاصرة في أرشيف رقمي متاح للبحث العلمي وصناع القرار. تتولى الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء بالتعاون مع المكتبة الوطنية تنفيذ هذا المشروع، مع استهداف رقمنة 80% من الوثائق الاستراتيجية خلال خمس سنوات.

توزيع المسؤوليات التنفيذية

تتوزع المسؤوليات بين الفاعلين الرئيسيين على النحو التالي: تضطلع الحكومة ممثلة في وزارات المالية والتخطيط والحكم الاتحادي بقيادة التحول المؤسسي وربط الموازنات بالخطط. ويتولى المجلس التشريعي مسؤولية الرقابة ومساءلة التنفيذيين. وتضطلع وحدات المتابعة المستقلة برصد الأداء ونشر التقارير. وتتحمل الجامعات ومراكز البحوث مسؤولية توثيق التجارب وتقييمها. ويضطلع الإعلام بدور محوري في نشر ثقافة التنفيذ والمساءلة، وتسليط الضوء على قصص النجاح والإخفاق.

من التخطيط إلى التنفيذ الحقيقي

السودان يمتلك المعرفة والخطط والخبرات، لكنه يفتقر إلى الإرادة التنفيذية الراسخة. حين يصبح السؤال الأول: “هل الخطة تُنفذ فعلياً؟” بدلاً من “هل لدينا خطة؟”، وعندما تُبنى السياسات على نتائج لا انطباعات، وعندما تخضع القيادات للمساءلة على ما لم يُنجز لا على ما كُتب. عندها فقط يمكننا تجاوز فجوة الواقع. ما نحتاجه هو إرادة التغيير، وشجاعة المساءلة، وانضباط التنفيذ. نعم، الحرب تعقّد المشهد، لكن حتى في أوقات السلم النسبي، ظلت الخطط حبيسة الأدراج. التحدي إذاً ليس في الظروف وحدها، بل في ثقافة تنفيذية لم تنضج بعد. إما أن نصنعها، أو نظل أسرى فجوة الواقع.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى