
الانطباع وغياب التخصص وانفصال المعرفة والوعي
قراءة استراتيجية في الواقع الثقافي والاجتماعي
تتقدم الأمم حين يصبح التخصص معياراً للتقدير، والكفاءة أساساً للاختيار، والمعرفة أداة للبناء. أما حين تُستبدل الكفاءة بالولاء، ويُقدَّم الانتماء على الخبرة، ويتقدم الانطباع على البرهان، فإن المجتمع يدخل في حلقة مفرغة تُعطل قدراته وتبدد فرصه.
أزمتنا ليست نقصاً في العقول، بل خللاً في توظيفها داخل منظومة وطنية تحترم التخصص. لقد ترسخت في بيئتنا الثقافية أنماط من التفكير الاختزالي، حيث يُصنف الفرد قبل أن يُستمع إليه، ويُحاكم الرأي بناءً على هوية قائله لا قوة حجته. هذا الإشكال يمتد ليطال مؤسسات الدولة، وأساليب التعليم، والخطاب الإعلامي، وأنماط التفاعل اليومي بين الناس.
جذور الظاهرة وأبعادها التاريخية
في مرحلة الستينيات والسبعينيات، كانت الجامعات السودانية منارة للفكر النقدي، والمؤسسات العامة تعتمد معايير مهنية في الاختيار والترقية. لكن العقود التالية حملت تحولات جذرية، حيث أدت الصراعات السياسية والانحيازات الأيديولوجية إلى تآكل معيار الكفاءة تدريجياً.
كما أن موجات الهجرة الواسعة للكفاءات إلى الخارج زادت الفجوة بين الخبرات المتاحة وحاجة المجتمع إليها. وتشير تقديرات منظمة الهجرة الدولية إلى أن السودان فقد أكثر من 60% من كفاءاته العلمية خلال العقود الأربعة الماضية، بينما أظهر تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للعام 2022 تراجعاً مطرداً في ترتيب الجامعات السودانية ضمن التصنيفات الدولية. وفي غياب ذوي الاختصاص، ملأ الفراغ خطاب شعوبي سطحي يخاطب العاطفة لا العقل.
ملامح الإشكال البنيوي
تتعدد مظاهر الخلل البنيوي في علاقتنا بالتخصص والمعرفة. أولها ثقافة التصنيف قبل الفهم، حيث يُختصر الإنسان في انتمائه المفترض، فيحل السؤال “إلى أي معسكر تنتمي؟” محل “ما الذي تقول؟”. هذا السلوك يحول النقاش العام إلى ساحة معارك هوياتية.
وثانيها انفصال المعرفة عن الوعي الوطني، إذ تخرّج الجامعات العالمية كفاءات سودانية عالية التأهيل، لكن تميزهم العلمي لا ينعكس في النقاش العام، لأن البيئة لا تكافئ الخطاب العلمي بقدر ما تكافئ الخطاب الشعبوي.
وثالثها تآكل مفهوم احترام التخصص. في البيئات المتقدمة، قول “لا أعلم” تعبير عن وعي مهني. أما في بيئتنا، فيُتوقع من الفرد أن يتحدث في كل شأن، مما ينتج فوضى معرفية تضعف الثقة في أهل الاختصاص.
ورابعها استمرار أنماط تعليمية قديمة تركز على التلقين والحفظ، لا على التفكير النقدي وحل المشكلات، مما يعمق الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات المجتمع.
وخامسها تضخم الولاءات الجزئية، حيث تتحول الحزبية الضيقة أو الانتماء القبلي إلى محدد أساسي للهوية، فتملأ الفراغ الذي كان ينبغي أن يشغله المشروع الوطني الجامع. وتعزز البنية الاجتماعية هذا التوجه، إذ يمنح الانتماء الجزئي شعوراً بالأمان في مقابل غياب مؤسسات الدولة القادرة على توفيره.
الجذر الاستراتيجي للأزمة
من تحليل هذه المظاهر، يمكن رد الأزمة إلى ثلاثة اختلالات رئيسية تتغذى على بعضها:
يبدأ الأمر بالاختلال المعياري المتمثل في تقديم الولاء على الكفاءة، عبر آليات الاختيار والترقية في المؤسسات العامة، ليمتد إلى أنماط التقييم الاجتماعي الأوسع. ويقترن به اختلال معرفي يتمثل في الخلط بين الرأي الشخصي والحقيقة العلمية، حيث تختفي الأرضية المشتركة للحوار حين يصبح لكل واحد “حقيقته”. ويتجسد هذان الاختلالان في اختلال مؤسسي هو غياب أنظمة واضحة لتوظيف التخصص، فالمؤسسات الهشة لا تحتضن ذوي الخبرة بل تحيدهم لأنها ترى فيهم تهديداً للوضع القائم.
أنماط وأشكال الظاهرة
تتكرر في مؤسساتنا أنماط تعكس هذا الخلل البنيوي. ففي بعض الجامعات الحكومية، يُعين في مناصب قيادية أكاديمية أشخاص من تخصصات بعيدة كل البعد عن طبيعة المؤسسة، بينما يظل أساتذة متميزون عالمياً خارج دائرة الترشيح. وفي قطاع الصحة، تُسند إدارة مستشفيات كبرى إلى إداريين لا علاقة لهم بالمجال الصحي، تحت حجة أن “الإدارة تخصص مستقل” – وهي حجة صحيحة نظرياً لكنها غالباً ما تكون غطاء لاعتبارات غير موضوعية. وفي الإعلام الرسمي، تُناقش قضايا اقتصادية معقدة بمشاركة غير متخصصين، وعند الاحتجاج يكون الرد أن “البرنامج مفتوح للجميع”.
هذه نماذج تتكرر في أكثر من مؤسسة، وتعكس ظاهرة منهجية: بيئة لا تحتكم إلى معايير واضحة تتحول فيها الخبرة إلى مصدر تهديد، ويُقصى الصوت المتخصص لصالح خطاب شعوبي أكثر قدرة على مخاطبة العواطف.
مقارنة دولية: تجارب في الإصلاح
في تجربة رواندا ما بعد 1994، شكل ترسيخ معايير الكفاءة ومحاربة المحسوبية أحد أسس النهضة الوطنية، عبر نظام صارم لتقييم الأداء في المؤسسات العامة وربط الترقيات بالنتائج المحققة. وفي ماليزيا تحت قيادة مهاتير محمد، تم إطلاق برنامج وطني لاستقطاب الخبرات بالخارج، وتأسيس مؤسسات حوكمة فصلت بين العمل السياسي والإداري. ما يجمع هذه التجارب هو وضوح المعايير واستقلالية المؤسسات عن الولاءات السياسية، مما مكنها من تحويل أصحاب الكفاءات من تهديد محتمل إلى ركيزة أساسية للبناء الوطني.
إطار التحول المطلوب
الخروج من هذه الدائرة يحتاج إلى تحول متكامل على ثلاثة مستويات:
التحول الثقافي: إعادة بناء ثقافة المجتمع بحيث تصبح الكفاءة معيار التقدير الأساسي. يبدأ من البيت والمدرسة، ويمتد للإعلام والمؤسسات الدينية والنخب الثقافية.
التحول المؤسسي: بناء أنظمة تفرض معيار الكفاءة وتحميه من ضغوط الولاءات، عبر قوانين واضحة وآليات رقابة فعالة.
التحول القيادي: وجود نخب قيادية تتبنى هذه القيم وتكرسها في ممارساتها اليومية، من الدولة إلى المجتمع المدني والنقابات والإعلام.
هذه التحولات مترابطة: التحول الثقافي بدون مؤسسات يبقى خطاباً عاطفياً، والتحول المؤسسي بدون ثقافة يتحول إلى إجراءات شكلية، وكليهما يحتاج إلى قيادات تمتلك الرؤية والإرادة.
توصيات قابلة للقياس
في ضوء التحليل السابق، تقترح هذه الورقة حزمة من التوصيات العملية القابلة للقياس، موزعة على جهات التنفيذ المختلفة، مع مؤشرات أداء واضحة وأطر زمنية محددة:
أولاً: ترسيخ معايير الكفاءة في المؤسسات العامة
يتطلب تصحيح الاختلال المعياري اعتماد معايير توظيف واختيار قائمة على الكفاءة بنسبة لا تقل عن 80% من عناصر التقييم، مع إلزام المؤسسات بنشر تقارير سنوية توضح نسب شغل الوظائف القيادية عبر منافسات شفافة. تتولى وزارة الحكم الاتحادي مسؤولية تنفيذ هذا الإجراء، على أن يستهدف مؤشر قياس يتمثل في نسبة الوظائف القيادية التي تشغل عبر منافسة معلنة خلال ثلاث سنوات.
ثانياً: ربط الخبرات الوطنية بالخدمة العامة
لمعالجة الفجوة بين الكفاءات المتاحة وحاجة المجتمع، يقترح إنشاء قاعدة بيانات وطنية شاملة للكفاءات السودانية بالداخل والخارج، إلى جانب برنامج لاستضافة مئتي خبير سنوياً في برامج استشارية قصيرة المدى بمؤسسات الدولة. تتولى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تنفيذ هذا البرنامج بشكل مستمر، مع قياس أدائه بعدد السياسات والمشروعات التي تساهم فيها خبرات متخصصة سنوياً.
ثالثاً: إصلاح الخطاب التعليمي
يتطلب تجاوز أنماط التعليم القديمة تحديث المناهج التعليمية كل خمس سنوات وفق معايير علمية معتمدة، مع إدخال مهارات التفكير النقدي والمنهجي كمادة أساسية في جميع المراحل الدراسية. تتحمل وزارة التربية والتعليم مسؤولية هذا الإصلاح، بهدف الوصول إلى إدراج التفكير النقدي في مئة بالمئة من المدارس الثانوية خلال خمس سنوات.
رابعاً: تعزيز ثقافة الاعتراف بحدود المعرفة
لمواجهة تآكل احترام التخصص، تقترح الورقة إطلاق حملات إعلامية ومهنية حول أخلاقيات التخصص وأهمية الاعتراف بحدود المعرفة، مع اشتراط شهادات ممارسة مهنية محددة للظهور الإعلامي في القضايا العلمية والحساسة. يتولى المجلس الأعلى للإعلام بالتعاون مع النقابات المهنية تنفيذ هذه الإجراءات، بهدف تحقيق انخفاض ملموس في نسبة التصريحات غير المتخصصة في وسائل الإعلام الرسمية خلال ثلاث سنوات.
خامساً: بناء منصات للحوار العلمي الرصين
لتوفير فضاءات للخطاب العلمي المتخصص، توصي الورقة بإنشاء منتدى وطني سنوي للسياسات العامة يقوم على أوراق بحثية محكمة، وإشراك الجامعات ومراكز البحوث في صياغة السياسات الحكومية بنسبة لا تقل عن خمسين بالمئة. تقع مسؤولية تنفيذ هذه التوصية على الأمانة العامة لمجلس الوزراء بالتعاون مع وزارة التعليم العالي، على أن يُقاس التقدم بعدد السياسات الحكومية المبنية على أوراق بحثية معتمدة سنوياً.
توزيع المسؤوليات التنفيذية
تتوزع المسؤوليات بين الفاعلين الرئيسيين في المجتمع على النحو التالي: تضطلع الدولة ممثلة في أجهزتها التنفيذية والتشريعية بقيادة التحول المؤسسي وسن القوانين وتوفير الموارد ومراقبة الأداء. ويتولى المجتمع المدني مهمة الرقابة والكشف عن مخالفات معايير الكفاءة وتقديم نماذج بديلة. وتضطلع الجامعات ومراكز البحوث بإنتاج المعرفة اللازمة والمشاركة في صياغة السياسات وتدريب الكوادر. وتتحمل النقابات المهنية مسؤولية حماية معايير الممارسة المهنية وإصدار شهادات الكفاءة. ويضطلع الإعلام بدور محوري في تقديم نماذج إيجابية تحتفي بالتخصص والخبرة، وتوفير منصات للحوار العلمي الرصين، وكشف ممارسات المحاباة والولاءات الضيقة.
من دائرة الجدل إلى دائرة الفعل
نحتاج إلى مأسسة العقل، لا مزيداً من العواطف. نحتاج إلى نظم تضمن أن يتحدث أهل الاختصاص في مجالاتهم، وأن تُحترم حدود المعرفة. نحتاج إلى إعادة ترتيب الانتماءات بحيث يتقدم الوطن على ما سواه.
حين يصبح السؤال الأول: من هو الأكفأ؟ وحين يصبح الرد المشروع: لا أعلم، فلنسأل المختص. وحين تُبنى السياسات على الأدلة لا الانطباعات. عندها فقط ننتقل من الجدل إلى الفعل، ومن التصنيف إلى الإنجاز، ومن الانتماء الضيق إلى المشروع الوطني الجامع.
نملك العقول والخبرات والتاريخ. ما نحتاجه هو إعادة توصيل المعرفة بالوعي، والتخصص بالمسؤولية، والانتماء بالوطن.









