
خطاب الكراهية وضرورة رتق النسيج الإجتماعي
التباين الثقافي والتنوع الموجود في السودان والذي يمثل قارة إفريقيا المصغرة إن حسن فهمه وتم النظر للجانب الايجابي فيه وهو كبير بالطبع لشكل ذلك ثراءاً وغنيً غير متوفر في اي دولة إفريقية…فالسودان دولة تعدد اللغات وليس اللهجات كما يشاع خطأً حيث يمتلك ما يزيد عن مائة لغة وبلد الثراء الإجتماعي والإثني الذي يشكل لوحة حضارة وثقافة يستوجب ان نفخر بها ولعل هذا التنوع بجانب الموقع الجيوسياسي والموارد الطبيعية والمعدنية والاراضي الخصبة والمياه لعل كل ذلك كان سبباً للاستهداف الخارجي للسودان والذي ادخله في الحرب التي ظل ومازال يعاني منها علي مدي السنوات الثلاث الماضية وقد سبقتها حروباً اخري قبل الاستقلال وبعده ولكنها بالقطع لم تكن حرب تجريف وابادة وتهجير مثل التي تدور الآن…
غافل من يظن ان مثل هذه الحروب يمكن ان تندلع إن لم تجد ثغرات داخلية تنفذ من خلالها وتستغلها أبشع أنواع الاستغلال..فالنزاعات الداخلية وحب السلطة والثروة والطمع والجشع وغياب سيادة حكم القانون وسوء الإدارة فضلاً عن ضعف الوازع الوطني والإنتماء الحقيقي للوطن والتراب عند البعض من الفاعلين في الساحة كلها تعتبر عواملاً شجعت الأجنبي وضعيفي الوطنية للتغلغل وإحداث الدمار المعنوي والمادي للبلاد وأهلها…
إن أسوأ ما جاءت به الحرب الإخيرة هو استغلال التنوع القبلي والإثني ليكون معولاً لهدم البلاد وتدميرها من الداخل لذلك عمدت المليشيا المتمردة ومن يديرون بوصلتها إلي دق اسفين الفرقة والشتات بين بطون القبيلة الواحدة لتفتيتها دع عنك خلق الصراع بين القبائل والمكونات المجتمعية الأخري والأمثلة كثيرة لا حصر لها وليس آخرها هجوم الهالك حميدتي علي ابن عمه الشيخ موسي هلال في دار المحاميد بمنطقة مستريحة وقتل اهله واسرته بدم بارد..
إن ثراء السودان الذي ظهر جليا في عدد من المهرجات الثقافية في سنوات سابقة والطقوس في الأفراح والاتراح والرقصات الشعبية لكل قبائل السودان وسلسلة أرض السمر التي فازت في مهرجات دولية لما تمثله من عمق ثقافي وإرث حضاري ماهي إلا نماذجا ايجابية لهذا التنوع الذي أحالته الحرب اللعينة الي معول هدم وتفرقة بسوء الاستغلال وعيب التوظيف المقصود وللأسف انجر كثيرون وسط هذا التيار والذي عرف الآن بخطاب الكراهية الذي يجب محاربته بكل السبل ومنع انتشاره وتحجيم دائرته مهما كلف ذلك من ثمن وجهد ووقت ووسائل مطلوبة وآليات..
لم يقف خطاب الكراهية المنتشر هذه الأيام بين قبائل ومكونات البلاد المجتمعية بين الاقاليم الجغرافية شمالا وجنوبا او شرقا وغربا ووسطا بل تمدد ليضرب الجبهة الداخلية التي تدير المعارك الآن في الميدان بإثارة الشكوك بين الجيش وداعمية من المشتركة والوطنيين في الاستنفار والمقاومة الشعبية بإعتبار ان العدو واحداً الان ويجب مجابهته بالوحدة وبالايمان القاطع بأن الوطن فوق الأحزاب والجهويات والتكتلات ولكنها غرف التضليل الإعلامي والحرب النفسية التي تشعلها دولة الامارات وداعميها من بعض ابناء الوطن للأسف لذلك لابد ان تقوم الحكومة بواجبها للحفاظ علي وحدة البلاد وتوحيد جبهتها الداخلية بمحاربة خطاب الكراهية بشتي الوسائل واولها تطبيق القانون دون تهاون…انزال قانون المعلوماتية علي ارض الواقع وضبط الغرف الإعلامية الالكترونية وفوضي الاعلامي الالكتروني ومن المؤكد انه ليس المقصود المنع والتحجيم ومصادرة الحريات بقدر ما ان المطلوب هو التنظيم وضبط المحتوي واعادة حارس البوابة بما يفيد المجتمع ويطور المهنة في آن واحد..
إن كان من مهمة أخيرة للحكومة ويتوجب عليها القيام بها هي عقد سلسلة من مؤتمرات ولقاءات للمصالحات الوطنية ولرتق النسيج الاجتماعي واعادة الترابط بين اهل السودان مستفيدين من تجارب دول سبقتنا في هذا المجال في رواندا وجمهورية جنوب افريقيا وسيراليون مع الاخذ في الاعتبار الفوارق بين السودان وهذه الدول من حيث طبيعة المشاكل وافرازات الحرب والمكونات المجتمعية وعلاقاتها بعضها ببعض..
يظل محاربة خطاب الكراهية وتقريب الشقة بين ابناء البلد الواحد واحترام خصوصية المجتمعات مع ضبط التفلت الاعلامي والخطاب الاعلامي المدمر كلها واجبات حكومية وفق القانون ودون تجاوز يتخطي الأهداف والمرامي..







