مقالات

حماية ممتلكات المواطنين في السودان خلال الأزمات: ضرورة قانونية لا تحتمل التأجيل

بقلم :  د. الشاذلي عبداللطيف

حماية ممتلكات المواطنين في السودان خلال الأزمات: ضرورة قانونية لا تحتمل التأجيل

في خضم الأزمات التي يشهدها السودان، تتكشف تحديات عميقة لا تمس فقط الأمن والاستقرار، بل تمتد إلى صميم الحقوق الأساسية للمواطنين، وعلى رأسها حق الملكية الخاصة. فمع تفاقم النزاع وتزايد حالات النزوح واللجوء، يجد آلاف المواطنين أنفسهم عاجزين عن متابعة شؤون ممتلكاتهم، الأمر الذي يفتح الباب أمام فقدانها بوسائل قانونية شكلية، لكنها تفتقر إلى العدالة في ظل الظروف الراهنة.

ومن بين أبرز الإشكالات التي برزت، مسألة بيع سيارات المواطنين المتضررين. وهنا تبرز الحاجة إلى تدخل تشريعي واضح يقوم على مبدأ أساسي: لا لبيع سيارات المتضررين، باعتباره صرخة قانونية وأخلاقية لحماية ممتلكات المواطنين من الضياع أو المصادرة غير العادلة.

إن الهدف الأسمى من هذا التوجه هو حماية حرمة المال الخاص، واعتبار الحرب ظرفًا استثنائيًا يرقى إلى مستوى “القوة القاهرة” التي تمنع التصرف في الأملاك أو نزعها من أصحابها. فالقانون، في جوهره، لا ينفصل عن العدالة، والعدالة تقتضي عدم تحميل المواطن تبعات ظروف لم يكن له يد فيها.

وبموجب هذا الفهم، فإن الحرب كـ“قوة قاهرة” تؤدي إلى تعطيل المواعيد القانونية، حيث إن النزوح واللجوء يمثلان غيابًا قسريًا وليس إهمالًا متعمدًا. وبالتالي، يجب وقف سريان مواعيد الحجز أو البيع، باعتبار أن شروط العدالة الإجرائية لم تعد متوفرة.

ومن هنا، يصبح من الضروري إيقاف البيع فورًا وتمديد المهلة لعام كامل، على أن تبدأ فترة السماح بعد الإعلان الرسمي عن استتباب الأمن وعودة الخدمات في كافة الولايات. فهذا الإجراء يمنح المواطنين فرصة حقيقية لاستعادة السيطرة على ممتلكاتهم وإعادة ترتيب أوضاعهم.

كما أن من المهم تفعيل الإخطار الشخصي عبر رسائل SMS، بحيث يتم إلزام الجهات المختصة بإبلاغ المالك بأي إجراء قبل مدة لا تقل عن 60 يومًا، ضمانًا للشفافية ومنع اتخاذ قرارات في غياب أصحاب الحق.

ولا يقل أهمية عن ذلك الإعفاء الشامل من رسوم “الأرضيات” والغرامات، وذلك بإسقاط كافة التكاليف المالية المتراكمة منذ بداية الحرب في 15 أبريل 2023، تقديرًا للظروف الاستثنائية التي حالت دون التزام المواطنين بالإجراءات الروتينية.

وفي إطار تحديث الخدمات، يبرز مقترح إطلاق منصة إلكترونية موحدة للاستعلام، تتيح للمواطنين داخل السودان وخارجه البحث عن مركباتهم باستخدام رقم الشاسيه أو اللوحة، وتقديم طلبات الاستلام بسهولة، بما يعزز الشفافية ويحد من التعقيدات الإدارية.

إن حماية ممتلكات المواطنين في السودان خلال هذه المرحلة ليست ترفًا تشريعيًا، بل واجب وطني وأخلاقي. فالمواطن الذي فقد أمنه واستقراره لا ينبغي أن يُجرد أيضًا من ممتلكاته. وإن تبني هذه الإجراءات يعكس التزام الدولة بالعدالة، ويعزز الثقة في مؤسساتها، ويمهد الطريق نحو التعافي وإعادة البناء.

وفي نهاية المطاف، يبقى الرهان على إرادة الإصلاح، وعلى قدرة الدولة السودانية على سنّ تشريعات استثنائية عادلة، تضع الإنسان وحقوقه في صدارة الأولويات.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى