مقالات

سلسلة حكاوي من بحر أبيض حين هزمتني لقيمة

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

سلسلة حكاوي من بحر أبيض

حين هزمتني لقيمة

في دردشة امتدت حتى ساعة متأخرة كعادتنا، حكى لي صديقي أحمد حميدة أبشنب هذه القصة…

ذهبتُ إلى قريتنا الصغيرة، الصوفي، في الشمال الغربي من الولاية، قبل الحرب، لأحضر تشييع عمي عمر حميدة رحمه الله. كان بيني وبينه ما يشبه صداقة العمر؛ فرق سنٍ صغير ومودة كبيرة، وذاكرة مليئة بالضحك والمشاكسات وكرمٍ لا يُخطئه أحد.

أذكر يوم إعلان نتيجة المرحلة الثانوية، زمن إذاعة الأرقام عبر الراديو. تجمع الأصدقاء في بيتنا، وذهبتُ إلى دكان ابن عمي محمد أحمد (رحمه الله) لأحضر “الشيلة”: شاي باللبن ولقيمات وبعض الضيافة

نحن، كما يُقال، أهل واجب من طراز بحر أبيض.

لما فرغت، قلت له: “سجّلها في الكراس”.

وما إن نطقت بها، حتى فاجأني عمي عمر، وكان واقفاً خلفي بحرَّم حرام زولاً سالِط، ثم دفع المبلغ كاملاً.

تلعثم محمد أحمد، وأطلق هو الآخر “حراماً” من نوع مختلف، متحسراً أنه لم يُغالِ في الحساب.

ضحكنا جميعاً، وبقي الموقف في الذاكرة… دليلاً على رجلٍ كان الكرم عنده فعلاً.

في الطريق، رنّ الهاتف: وصلت وين؟

قلت: نحن في الطريق.

ثم عاد الصوت: – “الناس منتظرنك… الشيخ قال ما بصلي إلا لما تصل.

يومها شعرت أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يحمل، بل بمن ينتظره.

في العزاء، تقدّم نحوي رجل، وما إن وقعت عيني عليه حتى سبقني لساني: أهلاً يا حسن خليف!

ابتسم بدهشة: آخر مرة شفتني كنت في الابتدائي!

جلسنا، وبدأت الحكاية. قال ضاحكاً: إنت لمن دخلت الوسطى، أنا دخلت السوق… ولمن إنت واصلت في الثنوية، أنا دخلت الحياة من أوسع أبوابها!

سألته مازحاً: يعني كم زوجة؟

قال ببساطة: أربعة… وعندي من الأولاد والأحفاد جيش!

حسن خليفة لم يغادر القرية. ترك المدرسة مبكراً، لكنه امتلأ بالحياة. تزوّج، وكبّر بيته، وصار حاضراً في كل مناسبة: فرحاً كانت أو ترحاً. لم يعرف الأسفار، لكنه عرف الناس… واحداً واحداً.

أما أنا، فمضيت في طريق التعليم، ثم عدت إلى الناس إماماً ومعلماً، أحمل من الكلمة ما يلامس القلوب قبل العقول. لم أجمع مالاً كثيراً، لكنني بطريقتي حاولت أن أترك أثراً.

طريقان مختلفان… لكنهما بدآ من مكان واحد، وذاكرة مشتركة.

وفجأة، أعادني حسن إلى تلك البداية: فاكر اللقيمات من أم الحسن؟ لما واحد يشحدك، نقسم اللقيمة على أربعة… لكن إنت يا أحمد كنت تديني لقيمة كاملة… دي ما بتتنسي.

ضحكنا… ثم سكتنا قليلاً.

ستون عاماً مرّت، ولم يتذكر حسن من كل تلك السنوات إلا “لقيمة”.

لا دروس، ولا شهادات، ولا أسفار… فقط لقيمة.

في تلك اللحظة، إهتز شيء في داخلي. نظرت إليه، ثم إلى نفسي، وسألت بصمت: من فينا كان أكثر نجاحاً؟

أهو حسن، الذي لم يغادر القرية، لكنه ملأها حياةً وناساً؟

أم أنا، الذي اختار طريق الرسالة، فترك أثراً لا يُرى لكنه يُحس؟

ثم بدا لي أن السؤال نفسه لم يكن في محله.

فالحياة لا تُقاس بطريق واحد… بل بما يتركه الإنسان في قلوب الآخرين.

حسن لم يكتب سيرته في الكتب… لكنه كتبها في ذاكرة الناس.

وأنا… حاولت أن أزرع معنى، علّه يبقى.

وفي النهاية، لم يبقَ إلا أثرٌ صغير… صادق: لقيمة كاملة، في زمنٍ كان فيه الآخرون يقسمونها على أربعة.

وإلى دردشة مسائية أخرى مع أبشنب

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى