
المعاشيون في قلب المعادلة الوطنية خبرة تتجدد ومسؤولية لا تتقاعدَ
في حياة الاوطان لا توجد مرحلة اسمها نهاية العطاء فكل من خدم هذا الوطن يوما يظل جزءا من قوته مهما تغيرت المواقع والظروف ومن هنا لا يكون الحديث عن المعاشيين حديثا عن زمن مضى بل عن رصيد حي من الخبرة والتجربة لا يزال قادرا على العطاء باساليب جديدة تناسب المرحلة
سنوات طويلة قضاها هؤلاء في مواقع العمل المختلفة تعلموا فيها الانضباط وتحملوا المسؤولية وواجهوا تحديات حقيقية وخرجوا منها بخبرة لا تقدر بثمن وهذه الخبرة لا ينبغي ان تبقى حبيسة الذكريات بل يمكن ان تتحول الى طاقة هادئة تسند الحاضر وتساعد في بناء المستقبل
ولا يرتبط العطاء بعمر محدد فالمعاشيون ليسوا فئة عمرية واحدة بل يجمعهم تنوع ثري فمنهم من انهى خدمته مبكرا وهو في قمة النشاط والحيوية ومنهم من يملك سنوات طويلة من التجربة والنضج وهذا التنوع في حد ذاته مصدر قوة حيث يلتقي الحماس مع الخبرة وتتكامل القدرة على الحركة مع عمق الرؤية فتتسع مجالات العطاء وتتنوع اساليبه بما يخدم المجتمع بصورة اكثر شمولا وفاعلية
الدعوة الى استنفار المعاشيين لا تعني فرض واجب جديد او تحميلهم ما لا يطيقون بل هي دعوة مفتوحة لمن يرغب ان يواصل العطاء بصورة تتناسب مع قدراته وظروفه مهما كان عمره فالمساهمة لا تكون فقط في الميدان المباشر بل قد تكون بالكلمة الصادقة او بالتوجيه او بنقل الخبرة الى جيل جديد يحتاج من يرشده ويختصر له الطريق
حين يفتح المجال امام اصحاب الخبرة للمشاركة تتعزز الجاهزية في المجتمع بصورة طبيعية دون ضجيج فبدلا من ان نبدأ كل مرة من الصفر نجد امامنا من يملك المعرفة والتجربة القادرة على الاسناد والتوجيه وهذا يخفف العبء عن المؤسسات ويمنحها فرصة للتركيز على مهامها الاساسية
كما ان هذا التوجه يعيد للمعاشي شعوره العميق بقيمته ودوره فالكثير منهم يملك الرغبة في العطاء لكنه لا يجد المساحة المناسبة وعندما تتوفر هذه المساحة يشعر ان سنوات خدمته لم تكن مرحلة وانتهت بل امتداد مستمر في خدمة وطنه ومجتمعه وهذا ينعكس ايجابيا على حالته النفسية وعلى استقراره الاجتماعي
ومن الجوانب المهمة ايضا ان هذا التواصل بين الاجيال يصنع جسورا من الثقة حيث يستفيد الشباب من خبرات من سبقوهم ويتعلمون منهم كيف تدار الامور في اوقات الشدة وكيف تتخذ القرارات الصعبة وبذلك تنتقل المعرفة بشكل حي بعيدا عن التنظير المجرد
ولا يتوقف الامر عند الجانب العملي فقط بل يمتد الى تعزيز روح الانتماء فحين يرى المجتمع ان ابناءه يواصلون العطاء حتى بعد التقاعد يترسخ لديه معنى ان الوطن مسؤولية مشتركة لا ترتبط بعمر او وظيفة بل هي التزام مستمر يقوم به كل انسان بما يستطيع
ومع ذلك يبقى من الضروري ان يتم هذا التوجه في اطار من التنظيم الواضح الذي يحترم ظروف المعاشيين الصحية ويضمن ان تكون المشاركة طوعية ومحددة الاهداف حتى تتحقق الفائدة دون اي ضغط او ارتجال
في النهاية لا يتعلق الامر بالعودة الى الماضي بل بالاستفادة منه فالوطن الذي يعرف كيف يستثمر خبرات ابنائه هو الاقدر على مواجهة التحديات والمعاشيون بما يحملونه من تجربة ووعي ليسوا خارج المشهد بل هم في عمقه يمثلون طاقة هادئة وخبرة صادقة تؤكد ان العطاء لا يتقاعد وان الانتماء لا ينتهي






