
بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة – 3 مايو
كانت كلمة “صحفي” تُطلق في العربية القديمة على من يستخلص المعرفة من الكتب دون معلم، قبل أن يتسع معناها في العصر الحديث ليصبح الصحفي هو من يجمع الأخبار والمعلومات، ويحللها ويتحقق منها، ثم ينشرها عبر وسائل الإعلام المختلفة، وفق معايير مهنية وأخلاقية تضمن حق الجمهور في المعرفة بشكل مستقل ومسؤول.
والصحفي الحقيقي، كما تقرره مواثيق الشرف المهنية، هو من يتحمل مسؤولية ما يكتب حتى وإن نُشر دون توقيع، ويتجنب القذف والتشهير والاتهامات غير الموثقة، ويلتزم بكرامة المهنة، ويحفظ سرها، ولا يستغل نفوذه أو صفته الصحفية لأغراض شخصية. فالصحافة في جوهرها مسؤولية قبل أن تكون مهنة، ورسالة قبل أن تكون وظيفة.
وقد وصفها الناشر الأمريكي جوزيف بوليتزر بأنها “أفضل مطهر للفساد”، ورآها الصحفي المصري مصطفى أمين رسالة لا مهنة، بينما ميّزها الكاتب البريطاني جورج أورويل بأنها ما يُنشر رغم إرادة من لا يريد نشره. ويؤكد الصحفي المصري محمد حسنين هيكل أن جوهرها هو كشف ما خفي عن الناس، ليكون الصحفي شاهداً ومسؤولاً أمام ضميره.
ولم تخلُ مسيرة الصحافة من طرائف تحولت إلى دروس مهنية، رسخت قاعدة أساسية: أن التحقق قبل النشر هو جوهر المهنة. فحين ادّعى صحفي أنه أجرى مقابلة مع زعيم شهير ثم تبيّن لاحقاً أنه لم يقابله أصلاً، استقر مبدأ واضح: “إن لم تره بعينك فلا تنشره بقلمك”.
وفي المقابل، قد يصنع الخبر الحدث كما في المثال الكلاسيكي عندما قام رجل الدولة الألماني أوتو فون بسمارك بتعديل نص برقية إيمز ونشره بطريقة فجّرت تصعيداً دبلوماسياً انتهى بـ الحرب الفرنسية البروسية، ليظهر كيف يمكن للكلمة أن تغيّر مسار التاريخ أكثر من القوة العسكرية نفسها.
كما أثبتت الصحافة دورها في البناء، حين دعا الصحفي ج. ستيرلنغ مورتون (مصلح أمريكي ومؤسس عيد الشجرة) عام 1854 في ولاية Nebraska إلى نشر ثقافة التشجير عبر الإعلام، وهو ما ألهم لاحقاً مبادرات بيئية مماثلة، منها شعار صحيفة “كردفان” في السودان عام 1963: “إن لم تزرع شجرة… فلا تقطع شجرة”، والذي أسهم في إطلاق أول احتفال بعيد الشجرة في مدينة الأبيض.
وتجمع التجربة الصحفية العالمية على أن الصحافة الحرة ليست امتيازاً، بل ضرورة في المجتمع، وأن الصحفي الجيد هو من يتحقق من الحقيقة لا من يكتفي بنقلها. وفي جوهرها تبقى الصحافة مسؤولية البحث عن الحقيقة، والوقوف بين الناس وما يجب أن يعرفوه.







