
السودان اولا بين الشعار والواقع اليومي
لا يكاد يختلف اثنان في السودان على ان عبارة “الوطن اولا” تمثل مبدأ جامعا لا خلاف عليه. فهي حاضرة في الخطاب العام ومتكررة في المناسبات وتستخدم بكثافة تعكس اتفاقا واسعا حول اهميتها. غير ان الاشكال لا يكمن في قبول الشعار بل في المسافة التي تفصل بين ترديده وتطبيقه في الواقع اليومي.
في التفاصيل الصغيرة حيث تصنع القرارات الحقيقية تتقدم احيانا انتماءات اخرى على حساب هذا المبدأ. فالقبيلة والجهة والحزب تتحول بهدوء الى مرجعيات اساسية في تحديد المواقف وتوزيع الفرص حتى يبدو وكأن الوطن قد اصبح اطارا نظريا اكثر منه معيارا عمليا.
هذه الظاهرة لا تعلن نفسها بشكل مباشر بل تظهر في ممارسات تبدو عادية ومألوفة. فاختيار الاشخاص وتقييم الكفاءات وتحديد الاولويات قد يتأثر بشكل او بآخر بعوامل الانتماء الضيق لا بمعايير الكفاءة او المصلحة العامة. وهنا تكمن المفارقة الجميع يتحدث عن العدالة لكن التطبيق يخضع احيانا لحسابات اخرى.
ولعل الجانب الاكثر تعقيدا في هذا المشهد هو ان هذه الممارسات تجد تبريرا ضمنيا باعتبارها جزءا من الواقع الاجتماعي. غير ان قبولها بهذا الشكل يعني عمليا اعادة انتاجها واستمرارها مما يضعف تدريجيا فكرة المواطنة المتساوية ويجعل الانتماء الوطني اقل تأثيرا في الحياة العامة.
وفي سياق متصل تتسلل اشكال من التصنيف الاجتماعي قد لا تكون صريحة لكنها حاضرة في الوعي الجمعي حيث ينظر الى بعض الافراد او المجموعات باعتبارهم اقرب او احق بينما يوضع اخرون في مواقع اقل بناء على خلفياتهم لا على قدراتهم. هذه الرؤية حتى وان لم تعلن تترك اثرا عميقا على تماسك المجتمع.
اما الخطاب الحزبي ففي بعض صوره لا يبتعد كثيرا عن هذا الاطار اذ يميل احيانا الى تعزيز الانتماءات الضيقة من خلال خطاب يقوم على التمايز لا التلاقي وعلى استقطاب الانصار بدل توسيع دائرة المشترك الوطني. وبهذا تتحول السياسة من اداة لادارة التنوع الى وسيلة لاعادة انتاج الانقسام.
ورغم ذلك لا يمكن القول ان هذه الحالة قدر لا يمكن تغييره. فالسودان بتاريخه وتنوعه يمتلك من المقومات ما يؤهله لبناء نموذج وطني اكثر توازنا غير ان هذا يتطلب اعادة النظر في ترتيب الاولويات بحيث يكون الوطن فعلا هو الاطار الاعلى الذي تنظم داخله كل الانتماءات الاخرى.
الوطنية في معناها العملي لا تعني الغاء القبيلة او الجهة او الحزب بل تعني وضعها في سياق يخدم المصلحة العامة لا يتعارض معها وتعني كذلك ان تكون معايير الكفاءة والعدالة هي الاساس في التقييم بعيدا عن اي اعتبارات اخرى.
وربما تكون الخطوة الاهم في هذا الاتجاه هي الانتقال من مستوى الشعار الى مستوى الممارسة فالوطن لا يحتاج الى تأكيد لفظي بقدر ما يحتاج الى سلوك يعكس هذا التأكيد ان يقدم في القرار وان يراعى في الاختيار وان يكون حاضرا في الضمير قبل ان يكون في الخطاب.
في النهاية تبقى الحقيقة بسيطة
الاوطان لا تبنى بما يقال عنها بل بما يفعل من اجلها






