مقالات

 العلمانية في السودان اليوم : بين الجدل السياسي وواقع المواطن المنهك

بقلم : طه هارون حامد

 

 العلمانية في السودان اليوم:

 بين الجدل السياسي وواقع المواطن المنهك

في خضم الحرب التي تمزق السودان، عاد في هذة الايام الحديث عن العلمانية والدولة المدنية والدولة الدينية إلى واجهة النقاش السياسي.والهروب’ من مواجهة الحلول التي بسببها انهك المواطن . لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل هي القضية التي تشغل المواطن السوداني اليوم؟ أم أن هناك فجوة واسعة بين ما تتجادل حوله النخب السياسية والذين يبحثون عن ترف فكري وجدلية ملساء وما يعيشه الناس على الأرض؟

العلمانية، في أبسط تعريفاتها، هي نظام يفصل بين مؤسسات الدولة والمؤسسات الدينية، بحيث لا تحتكر أي جماعة دينية سلطة الدولة ولا تستخدم الدولة سلطة الدين لفرض توجه سياسي معين. هذا المفهوم نشأ تاريخياً في أوروبا نتيجة صراعات طويلة بين السلطة الدينية والسلطة السياسية، ثم تطور بأشكال مختلفة في دول عديدة حول العالم

أما في السودان، فقد دخلت قضية العلمانية إلى النقاش السياسي بقوة بسبب التنوع الديني والثقافي والإثني الكبير في البلاد. فقد رأى بعض السودانيين أن الدولة المحايدة تجاه الأديان يمكن أن تكون إطاراً جامعاً لكل الناس بغض النظر عن معتقداتهم ومورثاتهم ، لذلك رأى آخرون أن الدين يمثل جزءاً أصيلاً من هوية المجتمع السوداني، وأن إبعاده عن المجال العام قد يؤدي إلى صدام مع القيم الاجتماعية والثقافية السائدة.

لكن المشكلة الحقيقية ليست في التعريفات النظرية بقدر ما هي في ظروف طرح القضية. فمن الصعب إجراء نقاش وطني واسع حول شكل الدولة ومستقبلها ودستورها بينما يعيش ملايين السودانيين أوضاعاً استثنائية من النزوح واللجوء وفقدان الأمن والخدمات الأساسية.من صحة ورعابة صحية اساسية

اليوم لا يعيش السودان حالة استقرار تسمح بحوار سياسي طبيعي(مائدة مستديرة) . الملايين نزحوا من مدنهم وقراهم. آلاف الأسر فقدت مصادر رزقها.المدراس أغلقت في مناطق واسعة.من البلاد . المستشفيات خرجت عن الخدمة أو تعمل بقدرات محدودة. الأمراض الوبائية تنتشر في أكثر من ولاية، بينما يواجه المواطن صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء والدواء.

في شمال كردفان وغرب كردفان تتكرر التحذيرات من انتشار الحصبة وأمراض الأطفال المرتبطة بتدهور الخدمات الصحية وضعف حملات التطعيم. وفي ولاية النيل الأبيض تظهر مخاوف من الأمراض الوبائية المرتبطة بتلوث المياه وضعف البنية الصحية. وفي شرق السودان تتكرر موجات حمى الضنك وغيرها من الأمراض المنقولة عبر النواقل. أما المدن الكبرى التي كانت تعتمد على الخدمات والمؤسسات الحكومية فقد أصبحت تعاني من أزمات متراكمة في الصحة والكهرباء والمياه والتعليم.والبيئة. بشكل عام وفي الوقت ذاته ارتفعت اسعار السلع الاساسية الي مستويات غير مسبوقة اصبح الحصول علي القوت صعبا جدا

واصبح هما . كبيرا. كما أصبح الحصول على الغذاء اليومي هماً أساسياً للأسر.و ارتفعت أسعار الذرة والدخن والقمح والسلع الضرورية بشكل يفوق قدرة قطاعات واسعة من الناس . وأصبح الحديث عن الرغيف والغذاء والعلاج والسكن أكثر إلحاحاً من أي جدل فكري. او ترف لفظي أو دستوري.

هذا لا يعني أن قضية العلمانية أو الدولة المدنية غير مهمة. بل على العكس، هي قضية أساسية تتعلق بشكل الدولة ومستقبل الحكم والعلاقة بين المواطن والسلطة. لكن ترتيب الأولويات يظل أمراً ضرورياً. فلا يمكن بناء توافق وطني حقيقي حول أي مشروع دستوري في ظل الحرب والانقسام والنزوح الجماعي.ومازال خطاب’الكراهية لا يبارح مكانية بل في تزايد وخلق استقطاب واستقطاب مضاد اذن اي طرح او تفاكر جاد حول’العلمانية او الدولة المدنبة او الدينية يجب

أن ينطلق أولاً من وقف الحرب. فالحرب تدمر المجال العام الذي يسمح بالحوار. والحرب تخلق استقطاباً حاداً يجعل التفاهم مستحيلاً. والحرب تحرم ملايين المواطنين من حقهم في المشاركة في تقرير مستقبل بلادهم.

المواطن السوداني اليوم لا يطلب ترفاً فكرياً ولا معارك لغوية حول المصطلحات. ما يطلبه هو الأمن والاستقرار. يريد العودة إلى منزله. يريد مدرسة لأطفاله ومستشفى يعالج مرضاه وسوقاً يشتري منه احتياجاته الأساسية. يريد دولة تحمي حياته وكرامته قبل أن تطلب منه الانحياز لهذا المشروع الفكري أو ذاك.

لذلك فإن المدخل الصحيح لأي تفاكر (مائدة مستديرة ) حول مستقبل السودان يبدأ بوقف الحرب وإيصال المساعدات الإنسانية وعودة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين. بعد ذلك يمكن للسودانيين جميعاً، دون إقصاء أو إكراه، أن يناقشوا شكل الدولة التي يريدونها: مدنية أو ذات مرجعية دينية أو أي صيغة أخرى يتوافقون عليها عبر الحوار الحر والإرادة الشعبية.

إن القضية المركزية اليوم ليست الانتصار لمصطلح العلمانية أو لمصطلح الدولة الدينية، بل الانتصار لحق السودانيين في الحياة والأمن والخبز (الرغيف) والعلاج والتعليم. فالدولة، أيّاً كان توصيفها، تفقد معناها عندما يعجز المواطن عن العيش بكرامة داخلها.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى