
العودة حين يختار الإنسان وطنه
مصيبتنا في السودان كبيره حيث يتم تصنيفك علي حسب ما تتخذ من مواقف وهذا يعني ان الواحد فينا قابل لأن يكون كوز وقحاطي ودعامي وللأسف هذا التصنيف هو احد اسباب تخلف السودان وعليه نحن نحتاج إلى تعريف الوطن وشروط الانتماء وقبلها نحتاج إلى جرعات من الوطنيه.
مادعاني لهذا الحديث سؤال سئلته عن رأي في عودة النور القبه والعربه التي منحها له الفريق البرهان وردي كان ( ماتراه القياده صحيحاً فهو صحيح ) وهذا ليس علي الاطلاق لكن علي الأقل في هذه المرحله الحرجه التي نمر بها البلاد.
ودعونا نقل ليس كل العائدين يحملون حقائبهم فقط… بعضهم يعود مثقلاً بأسئلةٍ طويلة، وصمتٍ أثقل من الكلام.
فالرجوع في زمن الحرب لا يكون قرارًا عابرًا بل مواجهةً صامتة مع الذات، ومع ذاكرة لا تمحوها المسافات.
وعودة النور القبة من صفوف المليشيا المتمردة إلى حضن الوطن ليست مجرد خبر يُتداول بل هي لحظة تستحق أن نتوقف عندها قليلًا.
لحظة تضعنا أمام أسئلة أكبر من الأشخاص… أسئلة عن معنى الانتماء، وعن قدرة الإنسان على مراجعة نفسه، وعن المسافة الفاصلة بين الخطأ والاعتراف به.
في وطنٍ أنهكته الحرب و لم يعد المشهد يحتمل المزيد من الانقسامات.
كل خطوة نحو التراجع عن مسارٍ خاطئ قد تعني إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وقد تفتح بابًا ولو ضيقًا لأملٍ تأخر كثيرًا.
لكن في المقابل لا يمكن أن تكون العودة مجرد عبورٍ آمن بلا مساءلة، ولا صفحة تُطوى دون أن يُقرأ ما كُتب فيها.
ومع هذه العودة، لم يكن الصوت واحدًا…
فكما رحّب البعض بهذه العوده وقف آخرون في موقفٍ مختلف يطالبون بالمحاسبة قبل أي حديثٍ عن القبول.
وهؤلاء يرون أن ما حدث أكبر من أن يُطوى بعودة، وأن العدالة ليست خيارًا مؤجلاً، بل حقٌ لا يسقط بالتقادم.
وبين هذا وذاك، يتشكل الجدل: هل نُقدّم فرصة للرجوع، أم نُقدّم الواجب في المحاسبة أولًا؟
والحقيقة أن هذا الاختلاف لا يعبّر عن انقسام بقدر ما يكشف عن وجعٍ مشترك…
فكل طرفٍ ينظر من زاويةٍ مختلفة، لكن الجميع يلتقون في نقطةٍ واحدة وهي الخوف على الوطن، والرغبة في ألا تتكرر الأخطاء.
وهنا لا يبدو التحدي في اختيار طرفٍ على حساب آخر، بل في البحث عن طريقٍ يوازن بين العدالة والرحمة، بين حق المجتمع وحق الوطن في أن يلتئم جرحه.
المجتمعات التي تعافت من أزماتها لم تفعل ذلك بالنسيان بل بالتوازن الصعب بين العدالة والتسامح.
فالتشفي لا يبني وطنًا، كما أن التجاهل لا يصنع سلامًا.
وبين الاثنين، يقف الجميع يحملون ذاكرتهم ويحاولون أن يفتحوا نوافذاً للمستقبل دون أن يُغلقوا أعينهم عن الماضي.
ربما تكون مثل هذه العودة اختبارًا لنا قبل أن تكون اختبارًا للعائد نفسه
فهل نملك القدرة على استقبال من يراجعون مواقفهم؟
وهل نستطيع أن نفرّق بين من يعود هروبًا، ومن يعود إيمانًا بأن لا ملاذ إلا الوطن؟
في السودان تعلّم الناس أن الصبر ليس خيارًا بل ضرورة، وأن الأمل في أضعف حالاته يبقى حيًا بطريقة لا تُفسَّر.
ولعلّ أجمل ما في هذا الشعب، رغم كل ما مرّ به، أنه لا يزال يترك بابًا مواربًا للرجوع دون أن يتخلى عن حقه في أن يسأل وأن يعرف، وأن يحاسب.
فالعودة، في نهاية الأمر، ليست نهاية الحكاية بل بدايتها الحقيقية.
بدايةً تتطلب صدقًا، ووضوحًا، واستعدادًا لتحمّل ما يترتب عليها.
قد لا تعيد خطوة واحدة كل شيء إلى ما كان عليه، لكنّها قد تكون بداية الطريق.
والوطن رغم جراحه يظل المساحة الوحيدة التي تتسع لمن يختار أن يعود إليه… لا هربًا، بل اعترافًا، ورغبةً في أن يبدأ من جديد وأن يساهم في حقن مزيد من الدماء. ورغم مادفعناه من أثمان باهظة جراء هذه الحرب لكني اعود وأقول أن ماتراه القيادة صواباً لانملك ألا أن نقول إنه الصواب.
نبض الورد
العفو عند المقدره

