غابة من حلم: زراعة الحياة بإرادة فردية – رؤية استراتيجية لإحياء الطبيعة المجتمعية
بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

غابة من حلم: زراعة الحياة بإرادة فردية – رؤية استراتيجية لإحياء الطبيعة المجتمعية
كثيراً ما نتحجج بالإمكانيات. لكن زراعة الأشجار لا تحتاج لإمكانات كبيرة، بل تكفي إرادة واستمرارية. فالبذور حولنا: عرديب، كركديه، مانجو، نيم، سنط، سدر. يمكن الزراعة حتى في كيس سعة عشرة كيلوغرامات. وفي رمضان، لو جمع الناس بذور التمر والكركديه ونشروها في الخلاء، لنشأت غابات. ازرع، فربما تُنبت غابة من حلم.
حكاية غابة مولاي: كيف بدأت من شتلة واحدة
في 1979، بعد فيضان مدمر في الهند، شاهد الشاب جاداف باينغ (16 عاماً) مئات الثعابين النافقة بسبب الحر بعد فقدان الغطاء النباتي. أدرك أن لا أشجار تظلل الأرض. بدأ يغرس شتلات خيزران يومياً على الشريط الرملي الجاف، يسقيها بدلاء من النهر. استمر خمس سنوات قبل أن تنمو الأشجار، ثم عقوداً حتى غطت الغابة 550 فداناً (نحو 222 هكتاراً). اليوم هي “غابة مولاي”، موطن لأكثر من 100 نوع طيور و70 حيواناً، بما فيها وحيد القرن الآسيوي المهدد. إنها إرادة فردية استمرت 45 عاماً، وكرمته الأمم المتحدة كبطل بيئي.
الأثر البيئي: من موت الثعابين إلى استعادة الحياة
بدأت القصة بفيضان دمر الحياة البرية، وتحولت بفعل فردي إلى غابة تمتد 2.2 كم²، تعج بالتنوع البيولوجي. وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة، المبادرات المجتمعية قد تسهم في تحقيق 15% من أهداف اتفاقية باريس للمناخ بتكلفة لا تتجاوز 5% من الاستثمارات الحكومية. وتشير دراسات الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ إلى أن عمليات امتصاص الكربون الناتجة عن الحد من إزالة الغابات وتجديد الغابات المتدهورة يمكن أن تعادل 12-15% من الانبعاثات الناجمة عن احتراق الوقود الأحفوري. كل شجرة بالغة تمتص في المتوسط نحو 22 كغم من ثاني أكسيد الكربون سنوياً (تقديرات تختلف حسب النوع والمناخ، حيث تشير دراسات أجريت في السودان إلى أن أشجار الأكاسيا السنغالية قد تمتص كميات متفاوتة تبعاً لعمرها وكثافتها)، وتنتج أوكسجين يكفي لتنفس أربعة أشخاص.
أرقام استرشادية للسودان: الكربون والمناخ المحلي
جميع الأرقام الواردة في هذه الوثيقة هي تقديرات استرشادية افتراضية، تستند إلى معطيات أولية وتجارب مقارنة، وتهدف لتحفيز التخطيط واستشراف الفرص، وتحتاج إلى دراسات تفصيلية عند التنفيذ. فبرنامج لزراعة 100 مليون شجرة يمكنه امتصاص 2.2 مليون طن من CO₂ سنوياً (ما يعادل انبعاثات 400 ألف سيارة). هذا الامتصاص للكربون لا يمثل فقط إسهاماً بيئياً، بل يفتح الباب أمام عوائد اقتصادية عبر أسواق الكربون، ويعزز الاستقرار الاجتماعي بتحسين المناخ المحلي وزيادة الموارد المتاحة للمجتمعات الريفية. إعادة تأهيل غابات في كردفان ودارفور والنيل الأزرق قد تخفض الحرارة 1-2°C وتزيد رطوبة التربة 15%، مما يحسن الأمن الغذائي. مشروع “الصمغ العربي” الممول من صندوق المناخ الأخضر يؤكد إمكانية خفض 27 مليون طن عبر استصلاح مئات الآلاف من الهكتارات.
اقتصاد الكربون: مصدر تمويل جديد
تفتح الغابات المجتمعية باباً لتمويل مبتكر عبر أسواق الكربون الطوعية، حيث يمكن تحويل الكربون المخزن إلى أرصدة قابلة للبيع. برنامج وطني لزراعة 100 مليون شجرة يمكن أن يدر ملايين الدولارات سنوياً، مما يجعل المشروع مستداماً ذاتياً. ولضمان المصداقية، لا بد من تطوير آليات وطنية لقياس الكربون وإعداد التقارير والتحقق (MRV) وفق معايير الأمم المتحدة وآليات اتفاقية باريس. وتشير تقديرات السوق إلى أن قيمة سوق أرصدة الكربون الزراعية والحرجية قد تصل إلى 67 مليار دولار بحلول 2035، مع نمو سنوي مركب يتجاوز 22%.
والعلاقة هنا تكاملية: كلما زاد عدد الأشجار، زاد امتصاص الكربون، مما يرفع العوائد المالية من بيع الأرصدة، ويتيح تمويل المزيد من فرص العمل للمجتمعات المحلية. فمليون شجرة إضافية تعني 22 ألف طن كربون إضافية سنوياً، وعوائد تقدر بمئات الآلاف من الدولارات، وعشرات الوظائف في مجالات الزراعة والصيانة والحراسة والسياحة البيئية.
العلاقة التكاملية: من الشتلات إلى العوائد والوظائف
تتضح العلاقة التكاملية بين عدد الأشجار وامتصاص الكربون والعوائد المالية وفرص العمل من خلال التدرج الزمني للمشروع. ففي المرحلة القصيرة (1-2 سنة)، يتم التركيز على زراعة نحو 5 ملايين شتلة، تبدأ في امتصاص الكربون بعد 3-5 سنوات من نموها، وتُتاح خلال هذه الفترة فرص عمل مؤقتة تتراوح بين 500 و1000 وظيفة في مجالات الزراعة والرعاية.
ومع الانتقال إلى المرحلة المتوسطة (3-5 سنوات)، يرتفع إجمالي الأشجار المزروعة إلى 25 مليون شجرة، مما يمكنها من امتصاص حوالي 550 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً. تقديرات العوائد من أسواق الكربون الطوعية، بافتراض متوسط سعر يتراوح بين 8 و12 دولاراً للطن (وهو نطاق سائد للمشاريع المجتمعية عالية الجودة)، تتراوح بين 3.5 و5.5 ملايين دولار سنوياً. كما يتزايد عدد الوظائف الدائمة لتصل إلى 2000-3000 وظيفة.
أما في المرحلة الطويلة (5-10 سنوات)، فبعد اكتمال زراعة 100 مليون شجرة، يصل امتصاص الكربون السنوي إلى 2.2 مليون طن، بعوائد تقديرية تتراوح بين 14 و22 مليون دولار سنوياً، مع توفير 5 آلاف فرصة عمل دائمة في مجالات الصيانة والحراسة والسياحة البيئية والحرف المرتبطة بالغابات. هذه الأرقام تستند إلى تقديرات منظمة الأغذية والزراعة (FAO) حول قدرات امتصاص الكربون في المناطق الجافة وشبه الجافة، ودراسات البنك الدولي حول أسواق الكربون الطوعية.
الأثر الاقتصادي: الغابة كأصل سياحي ومنتج
غابة مولاي، وفق تقارير إعلامية وأكاديمية منشورة، تدر عائداً سنوياً يقدر بأكثر من 2 مليون دولار من خدماتها البيئية. في السودان، يمكن لمنتزه وطني واحد أن يجذب 50 ألف زائر سنوياً (تقديرات أولى مستلهمة من تجارب مشابهة) بإيرادات 2.5 مليون دولار. وتطوير 10 غابات كبرى قد يصل بإيرادات السياحة إلى 25 مليون دولار سنوياً، ويوفر 5 آلاف فرصة عمل. هذه الأرقام مستلهمة من تجارب دولية موثقة: تركيا التي تجاوز زوار منتزهاتها 35 مليوناً بإيرادات 400 مليون دولار، وكوستاريكا حيث تسهم السياحة البيئية بـ5% من الناتج، وجنوب أفريقيا وكينيا بعوائد تتجاوز 100 مليون دولار سنوياً. وتشير تقديرات أولية إلى أن تكلفة زراعة الشجرة الواحدة ورعايتها حتى النضج تتراوح بين 1-2 دولار في المشاريع المجتمعية، مما يجعل العائد على الاستثمار مجدياً للغاية. كما تنعش الغابات الحرف التقليدية وتحسن الزراعة بزيادة خصوبة التربة.
أمثلة محلية واعدة
تشير دراسات حديثة أجريت على غابة أوكلمة الطبيعية بولاية سنار إلى أنها تحتضن 30 نوعاً شجرياً من 12 فصيلة، مع هيمنة فصيلتي البقوليات والقمبريط التي تشكل 53.4% من تكوين الغابة. وتبرز أشجار الأكاسيا السنغالية والصيطل بقدرتها العالية على تخزين الكربون رغم صغر أقطارها، بكثافة تصل إلى 175 شجرة للهكتار في بعض المواقع. كما أظهرت مشاريع إعادة التأهيل في شمال كردفان قدرة أشجار الأكاسيا على تحسين خصوبة التربة وزيادة محتوى الكربون العضوي في التربة السطحية بشكل ملحوظ مقارنة بالأراضي الزراعية المجاورة. هذه النماذج المحلية تؤكد جدوى المبادرات المجتمعية في السودان وإمكانية توسيع نطاقها.
البعد الاجتماعي: الزراعة كعقد مجتمعي
الزراعة فعل مقاومة ضد التصحر واللامبالاة. شاركت زوجة جاداف، بيجوم روي، وتحول المشروع لحركة مجتمعية تطوعية. في السودان، يمكن للمبادرات أن تعيد بناء النسيج الاجتماعي، كما في تجارب نسوية بولاية الجزيرة وشمال كردفان. ربطها بلجان الأحياء والجامعات والمدارس الزراعية يحولها من جهد فردي إلى حركة منظمة قادرة على الاستمرار.
الحوكمة والتشريع: من الإدارة الذاتية إلى الحماية القانونية
النجاح لم يأت بتمويل حكومي، بل بإدارة ذاتية قائمة على الانضباط. لاحقاً اعترفت الحكومة الهندية بالمشروع ودعمته. بعد تكريم الأمم المتحدة، زار الغابة وفود من 30 دولة. تبرز أهمية قوانين تحمي المبادرات البيئية: إعفاءات ضريبية، توفير شتلات، تيسير تملك الأراضي.
التجربة التركية: الغابة كمتنفس متكامل
تركيا حولت الغابات لمراكز جذب مجتمعي متكاملة. حديقة مطار أتاتورك (2025) تمتد 1.2 مليون م²، تضم 20 ألف شجرة وممرات للمشي وركوب الدراجات، وملاعب أطفال، وملاعب رياضية متعددة، ومناطق للشواء، ومقاهي ومطاعم، ومكتبة عامة، وقاعات ندوات، ومسجداً، ودورات مياه، وتستوعب 165 ألف زائر. حديقة “يدي غوللر” ببحيراتها تجذب الزوار بمساراتها ومناطق مشاهدة الطيور. في أضنة، غابة حضرية توفر متنفساً بمناطق نزهة وملاعب وإطلالات بانورامية. وهذه النماذج تندرج ضمن شبكة تضم أكثر من 200 غابة حضرية ومنتزه طبيعي. في عيد الأضحى، يتوافد الآلاف حيث تنتشر العائلات ويُشوى الأضاحي في الهواء الطلق. هذا التكامل بين الطبيعة والخدمات يلهم السودان لتحويل غاباته لمقاصد سياحية وترفيهية.
تحديات التنفيذ ومخاطر الواقع
رغم الفرص الكبيرة، تواجه المبادرات المجتمعية تحديات معقدة. الرعي الجائر قد يقضي على الشتلات، والنزاعات على الأراضي تعوق الاستمرار، والحماس الأولي قد يتبعه تراخٍ في المتابعة. كما أن تغير المناخ نفسه (جفاف أو فيضانات) يهدد نمو الأشجار، وقد أظهرت الدراسات أن قدرة الغابات المدارية على امتصاص الكربون بدأت تتراجع بسبب ارتفاع درجات الحرارة والجفاف. إضافة إلى ذلك، تبرز مخاطر بيئية متخصصة مثل تفشي الآفات والأمراض النباتية التي تشكل، وفق منظمة الأغذية والزراعة (FAO)، تهديداً متزايداً للغابات والنظم البيئية، والحرائق التي تدمر سنوياً مساحات شاسعة من الأحراش على مستوى العالم. كما أن التوسع في الزراعة الأحادية (زراعة نوع واحد من الأشجار) قد يؤدي إلى إلحاق أضرار بالدورة المائية الطبيعية وخصائص التربة ويزيد من التعرض للجفاف والحرائق. وهناك أيضاً مخاطر الفشل الإداري وضعف التنسيق بين الجهات، واحتمالات الفساد المؤسسي في توزيع الموارد، وهشاشة النزاعات المحلية التي قد تتحول إلى عائق أمام توسع الغابات. لذا لا بد من تنويع الأنواع المزروعة، وتأمين الأحواض، وعقد اتفاقيات واضحة مع المجتمعات، وبناء آليات متابعة دورية، وتعزيز الشفافية والحوكمة الرشيدة.
التكامل مع السياسة الوطنية وأهداف التنمية المستدامة
تتسق هذه الرؤية مع التوجهات الوطنية والإقليمية، خاصة تقرير الحالة البيئية وتوقعات البيئة في السودان الصادر عن الحكومة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP) عام 2020، والذي وضع إستراتيجية بيئية تمتد حتى عام 2030. كما تتماشى مع مشروعات الصندوق الأخضر للمناخ وبرامج التكيف مع التغيرات المناخية. ويرتبط المشروع ارتباطاً وثيقاً بعدة أهداف للتنمية المستدامة 2030: الهدف 13 (العمل المناخي) عبر امتصاص الكربون، والهدف 15 (الحياة في البر) عبر استعادة الغابات والتنوع البيولوجي، والهدف 8 (العمل اللائق ونمو الاقتصاد) عبر توفير فرص العمل، والهدف 1 (القضاء على الفقر) عبر تمكين المجتمعات الريفية اقتصادياً. لذا فإن ربط هذه المبادرة بالسياسة الوطنية للتشجير والمناخ وأهداف التنمية المستدامة يضمن لها الدعم المؤسسي والاستمرارية، ويحولها من جهد مجتمعي إلى هدف وطني يلقى دعماً دولياً.
دروس استراتيجية
· توزيع بذور مجانية في رمضان تحت شعار “كل بيت يزرع شجرة”.
· تحويل أكياس التغليف والزجاجات لأحواض زرع.
· تشجيع الجمعيات والطلاب والنساء على حملات تشجير.
· زراعة أشجار مثمرة ومحلية (سدر، عرديب، مانجو).
· تطوير الغابات بمرافق متكاملة (ممرات، شواء، ملاعب، مساجد، دورات مياه).
· إحياء ثقافة “الغاب” السوداني القديم للنزهات.
توصيات مرحلية
قصير المدى (1-2 سنة): حملة وطنية في رمضان لتوزيع 5 ملايين بذرة، تحويل الأكياس البلاستيكية لأحواض، قاعدة بيانات للمبادرات، توعية إعلامية.
متوسط المدى (3-5 سنوات): إنشاء صندوق وطني بـ10 ملايين دولار لدعم المجموعات المحلية، قانون يحمي المساحات المزروعة ويمنح حقوق انتفاع، تطوير 50 مشتلًا مجتمعيًا، تدريب 10 آلاف قائد مجتمعي.
طويل المدى (5-10 سنوات): زراعة 100 مليون شجرة (امتصاص 2.2 مليون طن CO₂)، تحويل 10 غابات لمنتزهات متكاملة (ممرات، شواء، ملاعب، مساجد، دورات مياه، مقاهي) بطاقة 500 ألف زائر وإيرادات 25 مليون دولار سنوياً – تقديرات استرشادية، دمج التشجير في الاستراتيجية الوطنية، شراكات إقليمية مع الهند وتركيا وكينيا.
غابة مولاي تثبت أن الأفعال الفردية المتراكمة تصنع فرقاً جماعياً. والتجربة التركية تضيف بعداً للغابة كمتنفس حياتي متكامل. والأرقام التقديرية – التي تهدف لتحفيز التخطيط الأولي – تؤكد أن التشجير المجتمعي استثمار بيئي واقتصادي واجتماعي. ما نزرعه ليس أشجاراً فقط، بل أملاً ومقاومة وتكافلاً. كل شجرة رسالة للأجيال أن الحياة أقوى. ازرع شجرتك الآن، فغداً أجمل حين نصنعه بأيدينا.
ملحق: تعريف أسواق الكربون
أسواق الكربون هي منصات تداول تسمح ببيع وشراء “أرصدة الكربون”، وهي شهادات تمثل خفضًا أو إزالة كمية محددة (طن واحد عادة) من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أو غيره من الغازات الدفيئة من الغلاف الجوي.
توجد ثلاثة أنواع رئيسية:
1. أسواق الامتثال (الإلزامية): تنشئها الحكومات بموجب اتفاقيات دولية مثل بروتوكول كيوتو أو اتفاقية باريس. تلزم شركات أو قطاعات معينة بسقف محدد للانبعاثات، فيمكن للشركات التي تخفض انبعاثاتها بأقل من السقف بيع الفائض للشركات التي تجاوزت الحد المسموح.
2. أسواق طوعية: تعمل خارج الأطر الإلزامية، حيث تشتري شركات أو أفراد أرصدة كربون طواعية لتعويض بصمتها الكربونية، لأهداف تتعلق بالمسؤولية المجتمعية أو تحسين الصورة الذهنية أو تلبية متطلبات العملاء.
3. آلية التنمية النظيفة: تسمح لمشاريع خفض الانبعاثات في الدول النامية بإصدار أرصدة كربون يمكن بيعها للدول المتقدمة لمساعدتها في الوفاء بالتزاماتها.
بالنسبة للمبادرات المجتمعية في السودان، تمثل أسواق الكربون الطوعية فرصة لتحويل الغابات المجتمعية إلى مصدر دخل مستدام عبر بيع الأرصدة الناتجة عن امتصاص الأشجار للكربون.





