مقالات

وبالنجم هم يهتدون

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

وبالنجم هم يهتدون

• حكاية أبو الدرداق، الجعران أو خنفساء الروث، مع القمر معروفة للجميع.

• في الأساطير القديمة تقول الحكاية إن هذا الكائن الصغير، حين يدحرج كرة الروث أمامه، فهو يحاكي الآلهة وهي تدحرج الشمس والقمر في السماء.

• وفي الخيال الشعبي قيل إنه حين وقع في حب القمر، عزم على تنظيف الأرض من القاذورات تقرباً إليه.

• قد تبدو هذه الحكايات مجرد خيالات شعبية، لكنها في الحقيقة تقوم على ملاحظة دقيقة.

• فقد لوحظ منذ القدم أن خنافس الروث تنشط غالباً ليلاً، وأنها تتحرك في خطوط مستقيمة حتى في عتمة الليل.

• وكان السؤال الذي حيّر الأقدمين: كيف يستطيع كائن صغير كهذا أن يحافظ على اتجاه ثابت في الظلام؟

• مؤخرا، وبالتحديد عام 2013 أجريت في جنوب أفريقيا تجربة لاختبار هذا الحدس القديم.

• وُضعت الخنافس داخل قبة تمثل سماء اصطناعية عُرضت عليها صورة لمجرتنا درب التبانة، فواصلت الخنافس السير في خطوط مستقيمة كما تفعل في الطبيعة.

• لكن عندما حُجبت عنها صورة السماء باطفاء الانوار او بوضع خوذات ورقية صغيرة على رؤوسها، فقدت اتجاهها وبدأت تدور حول نفسها بلا نظام.

• خلاصة التجربة أن الجعران يستخدم الضوء الباهتة القادم من المجرة مرجعاً بصرياً لتحديد اتجاهاته، حتى حين يغيب القمر.

• وهكذا تتكشف المفارقة: كائن صغير يقرأ من على الارض،خريطة النجوم ليهتدي بها في مسيره الليلي.

• هذه المفارقة تفتح باباً لتأمل أوسع في علاقة الكائنات بالكون.

• ففي القرن التاسع عشر أشار مؤرخ العلوم البريطاني وليم ويول إلى فكرة لافتة حين قال إن طول اليوم على الأرض يبدو ملائماً لطبيعة الإنسان البيولوجية.

• فلو كان اليوم أقصر بكثير أو أطول بكثير لكان غير ملائم لتركيبنا الحيوي.

• وفي عام 1973 طرح الفيزيائي الأسترالي براندون كارتر فكرة قريبة عُرفت لاحقاً باسم المبدأ الإنساني.

• ومفادها أننا نرى الكون بالشكل الذي هو عليه لأن هذا الشكل هو الوحيد الذي يسمح بوجودنا. فلو اختلفت بعض الثوابت الفيزيائية قليلاً — مثل قوة الجاذبية — لما تشكلت العناصر الضرورية لحياتنا.

• لكن على الرغم من جاذبية هذه الفكرة، فلسفياً، إلا أنها أثارت انتقادات عميقة، إذ رأى بعضهم أنها تعكس قدراً من المركزية البشرية.

• وكأن الكون الهائل بكل مجراته ونجومه وكواكبه قد ضُبط خصيصاً ليتوافق مع وجود الإنسان.

• غير أن هذا الاعتراض يفتح سؤالاً أوسع: هل الإنسان وحده من يهتدي بإشارات السماء، أم أن مخلوقات أخرى تشاركه هذه القدرة بطريقتها الخاصة؟

• يقول المفسرون، في تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، إن الناس يهتدون بالنجوم في أسفارهم ليلاً.

• غير أن دلالة الآية تبدو أوسع من ذلك؛ فأبو الدرداق، وهو يدحرج كرته الصغيرة في ظلمة الليل، يبدو واحداً من تلك المخلوقات التي تقرأ العلامات المكتوبة في السماء.

• فالآية تشير إلى نظام كوني من العلامات تهتدي به المخلوقات في حركتها عبر الأرض والسماء.

جمعة مباركة

 

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى