مقالات

السودان في المحنة: وجوه الخير التي لا تُرى

بقلم : د. الشاذلي عبد اللطيف

السودان في المحنة: وجوه الخير التي لا تُرى

في أزمنة الشدائد تظهر معادن الرجال، وتنهض في صمت أيادٍ خفية تسند المنكوبين وتعيد للأمل معناه.

بالحبر السائل

وما ضاقت إلا لتتسع القلوب

يُروى أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ليلةً يتفقد أحوال الناس، فمرَّ بامرأةٍ تجلس قرب قدرٍ فوق النار وأطفالها حولها يبكون. فسألها: ما بالهم؟ قالت: الجوع. قال: وما في القدر؟ قالت: ماءٌ أُسكتهم به حتى يناموا. فمضى عمر مسرعًا إلى بيت المال، وحمل الدقيق والسمن على كتفه. فقال له خادمه: دعني أحمله عنك يا أمير المؤمنين. فقال عمر: أتحمل عني وزري يوم القيامة؟ ثم مضى حتى طبخ لهم الطعام بيده، وجلس يراقب الأطفال حتى ضحكوا وشبعوا.

هذه الحكايات ليست مجرد أخبارٍ من زمنٍ مضى، بل دروسٌ باقية تُذكّر الناس بأن العدل والرحمة والتكافل هي الأعمدة التي تقوم عليها المجتمعات. فالرجال الحقيقيون لا يُعرفون في ساعات الرخاء، بل في أوقات الضيق حين يشتد البلاء وتختبر الأيام صدق المواقف.

وما يمر به السودان اليوم من محنةٍ قاسية قد كشف عن وجهين للحياة؛ وجه الألم ووجه الأمل. فقد خلفت الحرب جراحًا عميقة في البيوت والطرقات، وفقد كثير من الناس ممتلكاتهم وأرزاقهم، وارتفعت أعداد الأرامل والأيتام، وتفرقت الأسر بين مدن النزوح ومنافي اللجوء. وغدت الذكريات الثقيلة تسكن بيوتًا كانت بالأمس عامرة بالطمأنينة.

غير أن المحن، كما علمتنا السنن، لا تأتي بالظلام وحده، بل تكشف أيضًا عن نورٍ كامن في النفوس. ففي خضم هذا الواقع الصعب نهض كثير من أبناء السودان بواجب النجدة، ففتحت القرى بيوتها للنازحين، وتقاسمت الأسر ما تيسر من الطعام والملبس، وامتدت أيادي المغتربين لتسند أهلهم وأصدقاءهم. وكأن الوطن كله قد تحوّل إلى خيمةٍ كبيرة يجلس تحتها الناس يتقاسمون الهمّ والرجاء.

وفي مثل هذه الأيام يظهر رجالٌ يعملون في صمت، لا يطلبون شهرةً ولا ينتظرون جزاءً من الناس. رجالٌ جعلوا من أموالهم وأوقاتهم جسورًا يعبر عليها المنكوبون. بعضهم يطوف بين البيوت يواسي الأرامل، وبعضهم يسعى في جمع التبرعات، وآخرون يفتحون أبوابهم للغريب قبل القريب. هؤلاء هم الجنود الحقيقيون في معركة الكرامة الإنسانية.

إن أجمل ما كشفته هذه المحنة أن روح التكافل لم تغادر هذا البلد. فما زالت القيم التي نشأ عليها الناس في الخلاوى والمساجد والبيوت العامرة بالقرآن حيّة في القلوب. وما زال السوداني، مهما ضاقت به الحال، يجد في نفسه فسحةً ليعطي ويواسي ويجبر الخواطر.

ولذلك فإن الواجب لا يقتصر على شكر هؤلاء، بل يمتد إلى توثيق أفعالهم حتى تبقى شاهدًا في ذاكرة الوطن. فالأمم التي تحفظ سيرة أهل الخير فيها هي الأمم التي تستطيع أن تبني مستقبلها على أساسٍ متين من القيم والوفاء.

قد تُدمَّر البيوت وتضيق السبل، لكن ما دام في الناس قلبٌ يعرف الرحمة ويدٌ تمتد بالعطاء، فإن الأمل يبقى حاضرًا. فالأوطان لا تعيش بالحجارة وحدها، بل تعيش بالإنسان الذي يحمل في صدره حب الخير للناس.

نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله، وأن يجعل من هذه المحنة بدايةً لوعيٍ جديد يردّ للوطن عافيته، ويثبت أن الشعوب التي تتكاتف في الشدائد قادرةٌ دائمًا على النهوض من جديد.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى