دراسات

كرش الفيل: حين يبتلع المركز فرص الوطن  من أم درمان التاريخية إلى هندسة التوازن المكاني وجعل الولايات أكثر جاذبية

إعداد: د. محمد صلاح علي الفكي

 

كرش الفيل: حين يبتلع المركز فرص الوطن

 من أم درمان التاريخية إلى هندسة التوازن المكاني وجعل الولايات أكثر جاذبية

رؤية استراتيجية لصون هوية أم درمان، وتحقيق العدالة المكانية والمجتمعية، وإعادة توزيع فرص التعليم والإنتاج والاستثمار والخدمات في السودان

من اختلال التركز إلى هندسة التوازن الوطني

ليست مشكلة السودان في أن أم درمان مدينة جاذبة، ولا في أن الناس اختاروا الإقامة فيها بحثًا عن التعليم أو العمل أو العلاج أو تحسين ظروف حياتهم. فجاذبية المدن الكبرى ظاهرة طبيعية، ويمكن أن تكون مصدرًا للابتكار والإنتاج والتبادل الثقافي. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الجاذبية إلى تركز مفرط للفرص والمؤسسات والخدمات والاستثمارات، وحين يصبح الانتقال إلى المركز ضرورة للحصول على تعليم جيد، أو وظيفة مناسبة، أو خدمة متخصصة، أو فرصة حقيقية للتقدم الاجتماعي.

ومن هنا يأتي عنوان كرش الفيل بوصفه استعارة لاختلال بنيوي في توزيع الفرص؛ فالمركز حين يستوعب حصة كبيرة من المؤسسات والوظائف والاستثمارات والخدمات، يبدو كأنه يبتلع فرص بقية الوطن. وليس المقصود الإساءة إلى أم درمان أو أهلها، بل التعبير عن خلل في هندسة التنمية الوطنية، تراكم عبر الزمن وأصبح يحتاج إلى معالجة تتجاوز الحلول المحلية المحدودة.

ولا يكون الحل بإضعاف أم درمان، أو إبعاد سكانها، أو الحد من جاذبيتها، وإنما ببناء ولايات قادرة على توفير فرص حقيقية للتعليم والعمل والإنتاج والاستثمار والحياة الكريمة.

ليس المطلوب نقل الناس من المركز إلى الولايات، بل بناء وطن تتوزع فيه فرص الحياة والإنتاج والمعرفة والخدمات، بحيث لا يضطر المواطن إلى مغادرة مكانه بحثًا عن أبسط مقومات المستقبل.

وهذه ليست دعوة إلى توزيع المؤسسات بالتساوي الحسابي، ولا إلى نقلها من مكان إلى آخر دون دراسة، بل إلى إعادة تنظيم العلاقة بين المدن والولايات والموارد والاقتصاد، على أساس الحاجة والجدوى والعدالة المكانية والتكامل الوطني.

أم درمان التاريخية: ذاكرة وطن تستحق الصون

أم درمان ليست مجرد امتداد عمراني للخرطوم الكبرى، بل مدينة ذات مكانة تاريخية واجتماعية وثقافية في الوجدان السوداني. ارتبطت بتاريخ الدولة الوطنية، والأسواق التقليدية، والتعليم، والإذاعة، والفنون، والرياضة، والحياة الدينية والاجتماعية، وأسهمت في تشكيل جوانب مهمة من الشخصية السودانية الحديثة.

وتحمل أحياؤها القديمة أسماءً وذكريات تشكل جزءًا من نسيجها التاريخي والاجتماعي، ومنها بيت المال، والملازمين، والموردة، وود نوباوي، وأبو روف، والأمراء، والعباسية، والهاشماب، والمسالمة، وحي الشهداء، وحي العرب، والعمدة، والركابية، والسيد المكي، وغيرها من الأحياء التي تستحق التوثيق والحماية.

كما تضم المدينة معالم ومؤسسات ارتبطت بتاريخها الوطني والثقافي، من بينها قبة الإمام المهدي، وبيت الخليفة، وجامع الخليفة، وبوابة عبد القيوم، وسوق أم درمان الكبير، وإذاعة أم درمان، والمسرح القومي، ومدرسة الأحفاد، ودار الرياضة، الدايات، مستشفى أم درمان التعليمي،البوسطة القديمة، بلدية أم درمان،ميدان المولد، خلوة الكتيابي، المعهد العلمي، سجن النساء وسجن ام درمان والأسواق والمباني والمواقع ذات القيمة التاريخية والاجتماعية.

ويحتاج تحويل هذا الإرث إلى مورد مستدام إلى سجل موثق للمعالم والأحياء، والتحقق من تواريخها ووظائفها، وتصنيفها بحسب قيمتها التاريخية والمعمارية والثقافية، ثم وضع أولويات لحمايتها وترميمها وتطوير محيطها. ويجب أن يستند هذا العمل إلى مراجعة تاريخية وجغرافية موثوقة، حتى لا تختلط المعالم التراثية بالمؤسسات الخدمية أو المواقع التي تحتاج إلى تصنيف مختلف.

فصون التاريخ ليس ترفًا ثقافيًا؛ بل استثمار في الهوية، وفرصة لتنشيط الأسواق والحرف والمشروعات الصغيرة، وخلق وظائف في السياحة الثقافية، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية في العائد الاقتصادي للتراث.

ومن ثم، تستطيع أم درمان أن تطور دورها بوصفها مدينة للذاكرة الوطنية والثقافة والسياحة والإبداع، مع استمرار وظائفها السكنية والتعليمية والتجارية والخدمية. والمطلوب ليس حصر المدينة في ماضيها، بل تحويل هذا الماضي إلى مورد يساعدها على بناء مستقبل متجدد.

أم درمان الكبرى: فهم الضغط قبل اختيار الحل

أصبحت أم درمان، ضمن المجال الحضري الأوسع للخرطوم الكبرى، جزءًا من شبكة عمرانية وسكانية واقتصادية تتجاوز حدود المدينة التاريخية. وتشمل هذه الشبكة محليات ومناطق مختلفة، منها أم درمان وكرري وأم بدة، إلى جانب امتدادات حضرية وأطراف متفاوتة في كثافتها السكانية ومستوى خدماتها.

وقد أدى التوسع العمراني وتراكم الأنشطة السكنية والتجارية والتعليمية والصناعية والخدمية إلى زيادة الطلب على الأراضي والسكن والنقل والمياه والكهرباء والصحة والتعليم والمساحات العامة. لكن هذا المجال ليس كتلة حضرية متجانسة؛ إذ تتفاوت داخله الكثافة السكانية والاحتياجات والموارد والقدرة على استيعاب التوسع.

ولهذا ينبغي أن يستند فهم الضغط العمراني إلى بيانات موثوقة عن السكان واستعمالات الأراضي والخدمات والنقل والنشاط الاقتصادي، بدلًا من الاعتماد على الانطباعات العامة.

والأهم هو التمييز بين ثلاثة أشكال من التركز:

التركز السكاني: حين تتجمع أعداد كبيرة من السكان في مناطق توفر فرصًا أفضل أو خدمات لا يجدونها في مناطقهم الأصلية.

التركز المؤسسي: حين تتركز الجامعات ومراكز التدريب والهيئات والخدمات المتخصصة في نطاق جغرافي محدود.

التركز الاقتصادي: حين تتجمع الوظائف والاستثمارات والأسواق وسلاسل القيمة في المركز، بينما تبقى مناطق إنتاج الموارد بعيدة عن الصناعات والخدمات التي تضيف قيمة إلى منتجاتها.

هذه الأشكال مترابطة، لكنها تحتاج إلى أدوات معالجة متكاملة. فالتخطيط الحضري يحسن إدارة النمو داخل المدن، بينما تتطلب معالجة التركز المؤسسي والاقتصادي سياسات وطنية تعيد توزيع الفرص والقدرات بين الولايات.

وبذلك لا تصبح أم درمان وحدها مسؤولة عن حل مشكلة نشأت جزئيًا من اختلالات في الاقتصاد الوطني وتوزيع المؤسسات والاستثمارات والخدمات.

التنمية المتوازنة: معالجة أسباب الهجرة الاضطرارية

إن معالجة التكدس في أم درمان لا تبدأ بإبعاد السكان عنها، ولا بفرض قيود على انتقالهم، ولا بمجرد توسيع الطرق وإنشاء أحياء جديدة. بل تبدأ بمعالجة الأسباب التي تدفع المواطنين إلى مغادرة مناطقهم بحثًا عن فرص قد لا يجدون بديلًا مناسبًا لها في ولاياتهم.

فالأسرة قد تنتقل من أجل تعليم أبنائها، والشاب قد يغادر بحثًا عن وظيفة، والمريض قد يسافر للحصول على علاج متخصص، والمنتج قد يبتعد عن منطقته للوصول إلى سوق أو خدمة لا تتوافر محليًا. وكلما اتسعت الفجوة في جودة الفرص والخدمات، أصبحت الهجرة وسيلة اضطرارية للوصول إلى ما ينبغي أن يكون متاحًا بدرجة معقولة في مختلف أنحاء الوطن.

وهنا تظهر أهمية العدالة المكانية والمجتمعية، لا باعتبارها مساواة حسابية بين الولايات، بل باعتبارها ضمانًا لفرص حقيقية تتناسب مع احتياجات السكان وموارد المناطق وقدراتها.

فقد تحتاج ولاية إلى توسيع خدمات التعليم والصحة، وتحتاج أخرى إلى بنية تحتية تربط مناطق الإنتاج بالأسواق، بينما تحتاج ثالثة إلى تطوير التعليم التقني أو الخدمات اللوجستية أو الصناعات المرتبطة بمواردها.

ويجب أن يوازن توجيه الموارد بين الحاجة والجاهزية والجدوى والأثر المتوقع. فالمنطقة الأشد احتياجًا قد تتطلب استثمارًا تأسيسيًا لبناء قدرتها على تقديم الخدمات، بينما تستطيع منطقة أخرى الانطلاق سريعًا في مشروع إنتاجي مستند إلى موارد وبنية تحتية متاحة.

والغاية هي أن تصبح الولايات أكثر قدرة على توفير الحياة الكريمة، والاحتفاظ بالكفاءات، وجذب الاستثمارات، وتطوير اقتصادات محلية متنوعة. عندها يصبح البقاء في الولاية أو العودة إليها خيارًا واقعيًا، بدلًا من أن يرتبط المستقبل بالانتقال إلى المركز.

الجامعات في الولايات: من الهجرة التعليمية إلى المعرفة المنتجة

يمثل التعليم الجامعي أحد العوامل التي تدفع الشباب والأسر إلى الانتقال نحو المدن الكبرى. وحين تتركز البرامج المتخصصة ومراكز البحث والتدريب المتقدم في نطاق محدود، تصبح الهجرة التعليمية جزءًا من اختلال توزيع الفرص.

ولذلك فإن تطوير الجامعات في الولايات ينبغي أن يكون عنصرًا رئيسيًا في إعادة هندسة التنمية الوطنية، لا مجرد زيادة عدد المؤسسات التعليمية.

ويقتضي ذلك تقوية الجامعات القائمة، وتحسين جودة برامجها، وتوفير المعامل والمكتبات والتقنيات الحديثة، وتطوير أعضاء هيئة التدريس، وتوفير السكن الطلابي والخدمات الضرورية، وبناء شراكات مع المؤسسات الإنتاجية والبحثية.

كما ينبغي تطوير تخصصات ترتبط باحتياجات الولايات وإمكاناتها، مثل الزراعة والصناعات الغذائية والطب والعلوم الصحية والطب البيطري والتعدين والطاقة والهندسة وتقنيات المعلومات.

لكن اختيار التخصصات لا ينبغي أن يقوم على توزيع جامد تفرضه الخريطة الجغرافية وحدها؛ بل يحتاج إلى تحليل الطلب على الخريجين، والموارد المتاحة، والقدرات التعليمية، وفرص التدريب والعمل، والتكلفة والاستدامة.

والأهم أن ترتبط الجامعة بالاقتصاد المحلي. فالجامعة الزراعية تتفاعل مع المزارعين ومراكز الإرشاد والتصنيع الغذائي، والجامعة الهندسية ترتبط بالمشروعات الصناعية والبنية التحتية، والبرامج الصحية تتصل باحتياجات النظام الصحي المحلي.

بهذه العلاقة تتحول المعرفة من شهادة إلى قدرة إنتاجية، ومن محاضرة إلى تطبيق، ومن بحث أكاديمي إلى ابتكار وخدمة وفرصة عمل.

كما ينبغي ضمان جودة التعليم والاعتماد الأكاديمي، وإتاحة الانتقال بين الجامعات وفق قواعد وطنية واضحة، حتى لا يؤدي التوسع في الولايات إلى تفاوت غير مبرر في قيمة المؤهلات أو فرص الخريجين.

المقصود ليس منع الطالب من الدراسة في أم درمان أو الخرطوم، بل تمكينه من الحصول على تعليم جيد في ولايته متى توافرت شروط الجودة والتخصص، وتقليل الهجرة التي يفرضها غياب البدائل.

الصناعة بالقرب من المواد الخام: القيمة المضافة في ولايات الإنتاج

من مظاهر الاختلال الاقتصادي أن تنتج بعض المناطق المواد الخام، ثم تنتقل هذه المواد إلى مناطق أخرى لتصنيعها أو تسويقها أو الحصول على الخدمات المرتبطة بها. وفي هذه الحالة قد تفقد مناطق الإنتاج جزءًا من فرص العمل والدخل والخبرات التي يمكن أن تنشأ حول التصنيع والخدمات وسلاسل القيمة.

ومن هنا تبرز أهمية تطوير الصناعات بالقرب من المواد الخام ومناطق الإنتاج، متى أثبتت دراسات الجدوى أن هذا الموقع يحقق أفضل توازن بين تكلفة النقل والتصنيع، والقرب من الأسواق، وتوافر الطاقة والمياه والعمالة، والآثار البيئية.

فبدلًا من الاكتفاء بإنتاج المحاصيل الزراعية، يمكن تطوير سلاسل تشمل الفرز والتخزين والتعبئة والتصنيع والتسويق. وبدلًا من تصدير المواد الخام دون معالجة كافية، يمكن دراسة فرص تصنيعها محليًا بما يرفع القيمة المضافة ويوسع فرص العمل.

ويمكن دراسة تطوير الصناعات الغذائية والبحث الزراعي في المناطق الزراعية، والخدمات الصناعية واللوجستية في المدن التي تتوافر فيها مقومات النقل والأسواق، والصناعات المرتبطة بالثروة الحيوانية في مناطق إنتاجها، والخدمات والتقنيات المرتبطة بالتعدين حيث تسمح الجدوى والضوابط البيئية بذلك.

ومن الأمثلة الأولية التي تستحق الدراسة تطوير أدوار زراعية وصناعية في ولاية الجزيرة، وتعزيز الخدمات الصناعية واللوجستية في عطبرة، والاستفادة من موقع كوستي في النقل والتجارة، وتطوير دور بورتسودان في الموانئ والتجارة وسلاسل الإمداد.

ولا تمثل هذه الأمثلة قرارات نهائية بتخصيص الصناعات للولايات؛ بل فرضيات تخطيطية ينبغي اختبارها من خلال دراسات السوق والبنية التحتية والطاقة والمياه والنقل والمهارات والتكلفة والآثار البيئية.

كما أن تقريب الصناعة من المواد الخام لا يعني إنشاء مصنع في كل منطقة إنتاج، وإنما اختيار المواقع التي تحقق جدوى اقتصادية مستدامة، وتستطيع توفير مدخلات الإنتاج والوصول إلى الأسواق وتشغيل العمالة المؤهلة.

ويجب أن تصاحب هذه السياسة بنية تحتية مناسبة، وتمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتدريب مهني، وخدمات تخزين ونقل واتصالات، وشراكات عادلة بين المنتجين والمستثمرين والمجتمعات المحلية.

عندئذ تتحول الولاية من مصدر للمواد الخام إلى شريك في تصنيعها وتسويقها، وتزداد قدرتها على توليد الوظائف والدخل والابتكار، ويصبح الاستثمار فيها أكثر جاذبية.

أم درمان وجهة للتراث والسياحة والثقافة

في إطار التنمية المتوازنة، لا يُطلب من أم درمان التخلي عن دورها، بل تطوير ميزاتها التاريخية والثقافية ضمن اقتصاد حضري متنوع.

فما تملكه المدينة من أسواق تقليدية وذاكرة وطنية ومواقع تاريخية ومؤسسات ثقافية وفنية وحرف ومأكولات محلية يمكن أن يشكل أساسًا لمنتج سياحي وثقافي، إذا جرى توثيقه وصونه وتحسين الخدمات المرتبطة به.

ويبدأ ذلك بإعداد سجل موثوق للمعالم التاريخية، وتقييم حالتها، ووضع أولويات الحماية والترميم، وتحسين الوصول إليها، وتطوير المحتوى التعريفي والرقمي، وتنظيم مسارات للزيارة تربط المعالم بالأسواق والمراكز الثقافية.

كما يمكن تشجيع المشروعات الصغيرة في الحرف التقليدية والمنتجات المحلية والإرشاد السياحي والفعاليات الفنية والثقافية، مع ضمان استفادة أصحاب الحرف والمجتمعات المحيطة من النشاط الاقتصادي.

ويجب ألا يتحول التراث إلى واجهة تجارية تفقد المدينة روحها، أو إلى مشروعات لا تعود بالنفع على سكانها. بل ينبغي أن تشارك المجتمعات المحلية في تحديد الأولويات وإدارة الأنشطة والاستفادة من العوائد.

ولا يعني ذلك حصر أم درمان في السياحة والتراث؛ فهي ستظل مدينة للسكن والتعليم والتجارة والخدمات والعمل. المقصود هو تنويع وظائفها، وحماية ذاكرتها، والاستفادة من ميزاتها، بدلًا من الاعتماد على التوسع العمراني المتواصل بوصفه المسار الوحيد للنمو.

وهكذا تتكامل الوظائف: تتطور أم درمان في مجالات التراث والثقافة والسياحة والخدمات، فيما تعزز الولايات الأخرى قدراتها التعليمية والإنتاجية والصناعية والاستثمارية، من دون أن يكون نجاح أحد الطرفين مشروطًا بإضعاف الآخر.

من التنمية المتوازنة إلى تخفيف الضغط الفعلي

لا يكفي إنشاء الجامعات والمصانع وتطوير الخدمات في الولايات لافتراض تراجع التكدس في أم درمان تلقائيًا. فالأثر يعتمد على جودة البدائل، وقدرتها على الاستمرار، ومدى ارتباطها بالاحتياجات الفعلية للسكان وسوق العمل.

وتبدأ المعالجة بتحديد مصادر التركز، والتمييز بين الهجرة المرتبطة بالتعليم، والهجرة المرتبطة بالعمل، والانتقال الناتج عن نقص الخدمات أو ضعف الأسواق أو تدهور البنية التحتية.

بعد ذلك، تُبنى البدائل في الولايات وفق أولويات واضحة: تعليم جيد قريب من السكان، وفرص عمل مرتبطة بالإنتاج، وخدمات صحية مناسبة، وأسواق أكثر كفاءة، وبنية تحتية تسند النشاط الاقتصادي، ومؤسسات قادرة على تقديم خدمات مستقرة.

ويجب أن يرتبط التمويل بقدرة المشروعات على معالجة الفجوات وخلق فرص مستدامة، لا بمجرد عدد المباني أو المؤسسات التي أُنشئت.

وتُتابع النتائج من خلال مؤشرات تشمل الهجرة التعليمية الاضطرارية، وتوزيع الوظائف والاستثمارات بين الولايات، والوصول إلى التعليم والصحة، وحجم القيمة المضافة محليًا، وقدرة الولايات على الاحتفاظ بالكفاءات، وتطور الضغط على السكن والنقل والخدمات في أم درمان.

ولا ينبغي اعتبار كل زيادة سكانية في أم درمان دليلًا على فشل التنمية المتوازنة؛ فقد يستمر النمو الطبيعي للسكان، وقد تبقى المدينة جاذبة لأسباب اقتصادية وثقافية مشروعة.

المعيار الأهم هو تراجع الهجرة الاضطرارية، واتساع الخيارات أمام المواطنين، وارتفاع قدرة الولايات على توفير الخدمات والعمل والإنتاج، بالتوازي مع تحسين إدارة النمو داخل أم درمان.

وبذلك يصبح تخفيف الضغط نتيجة قابلة للقياس للتنمية المتوازنة، لا وعدًا تلقائيًا يترتب على نقل مؤسسة أو إنشاء مشروع.

الحوكمة والتمويل وقياس الأثر

لا تتحول هذه الرؤية إلى واقع من دون منظومة حوكمة تحدد مسؤوليات وضع المعايير، وترتيب الأولويات، وتوجيه التمويل، والتنفيذ، وقياس النتائج.

ويتمثل الدور الوطني في وضع السياسات والمعايير المشتركة، وتنسيق الاستثمارات الكبرى، وتحديد مؤشرات العدالة المكانية، وتوجيه التمويل نحو الفجوات ذات الأولوية، وضمان التكامل بين مشروعات الولايات.

أما الولايات، فتتولى تحديد احتياجاتها استنادًا إلى بيانات موثوقة، وترتيب مشروعاتها، وتنسيق التنفيذ مع المحليات والمؤسسات المحلية، وتطوير الشراكات مع الجامعات والقطاع الخاص والمجتمعات.

وتؤدي الجامعات ومراكز البحث دورًا في توفير المعرفة والدراسات والتقييم، بينما يسهم القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج وتطوير الأسواق وسلاسل القيمة، وفق قواعد واضحة تحمي المنافسة والمصلحة العامة.

ويحتاج ذلك إلى خط أساس وطني موحد يتضمن بيانات السكان والنزوح والعودة، والتعليم والصحة والبنية التحتية، والموارد والأنشطة الاقتصادية، والقدرات المؤسسية، وحالة المشروعات القائمة والمتوقفة.

وتُحدد الأولويات وفق الحاجة والجاهزية والجدوى والأثر المتوقع، مع الفصل بين هذه المعايير. فالمنطقة الأشد احتياجًا قد تتطلب استثمارًا تأسيسيًا لبناء الجاهزية، بينما تكون منطقة أخرى أكثر قدرة على تنفيذ مشروع إنتاجي سريع الأثر.

كما ينبغي مراجعة معايير التقييم والتمويل دوريًا، ونشر النتائج بصورة مفهومة، وربط القرارات بمؤشرات قابلة للتحقق.

ولا تُقاس التنمية بعدد الجامعات التي افتُتحت أو المصانع التي أُنشئت أو الطرق التي شُيّدت فقط؛ بل بتحسن حياة الناس، واستمرار الخدمات، وخلق الوظائف، وزيادة القيمة المضافة، وارتفاع كفاءة الإنفاق، وتراجع الحاجة إلى الهجرة الاضطرارية.

أما التخطيط داخل أم درمان، من تحسين النقل واستعمالات الأراضي إلى تطوير المساحات العامة وحماية الأحياء التاريخية، فيظل ضروريًا ومكملًا للرؤية. لكنه لا يحل محل المعالجة الوطنية لجذور التركز، لأن المدينة لا تستطيع وحدها تصحيح اختلال توزيع الفرص بين الولايات.

خارطة طريق للتنفيذ

تبدأ المرحلة الأولى ببناء قاعدة بيانات موحدة، وتوثيق المعالم التاريخية، وتحديد الفجوات التنموية بين الولايات، وتشخيص أسباب الهجرة والتركز في التعليم والعمل والخدمات.

وفي المرحلة الثانية، تُختار مجموعة من المشروعات ذات الأولوية وفق الحاجة والجدوى والجاهزية، مثل تطوير برامج جامعية مرتبطة بالاقتصاد المحلي، أو دعم سلاسل قيمة زراعية وصناعية، أو تحسين الخدمات الأساسية في المناطق الأشد احتياجًا.

وفي المرحلة الثالثة، تُربط الاستثمارات بالبنية التحتية والتدريب والأسواق والتمويل والتشغيل، حتى لا تتحول الجامعات والمصانع والمرافق الجديدة إلى أصول مرتفعة التكلفة وضعيفة الاستخدام.

وفي المرحلة الرابعة، تُقاس النتائج دوريًا، وتُقارن بالمستويات الأساسية، وتُراجع المشروعات التي لم تحقق أهدافها، وتُوسّع التجارب الناجحة بعد التحقق من قابليتها للتكرار.

ولا تُحدد أهداف رقمية نهائية قبل توافر خط أساس موثوق، كما لا تُفترض موارد مالية أو قدرات تنفيذية غير مثبتة. فالرؤية تحدد الاتجاه، بينما تتحدد أحجام الاستثمارات ومراحل التنفيذ وفق التشخيص والتمويل والجدوى والقدرة المؤسسية.

ويجب أن تكون لكل مرحلة مسؤوليات واضحة، ومخرجات محددة، ومؤشرات لقياس التقدم، وآلية للمراجعة والتصحيح. فالتنمية المتوازنة ليست إعلانًا عن توزيع المشروعات، بل عملية مستمرة لتصحيح الاختلالات وتوجيه الموارد نحو الأثر الأفضل.

لا نُضعف المركز، بل نبني قوة الولايات

إن كرش الفيل ليس وصفًا لأم درمان، بل تعبير عن اختلال في هندسة الفرص داخل الدولة السودانية. وحين تتركز المعرفة والعمل والاستثمار والخدمات في نطاق محدود، يصبح الانتقال إلى المركز وسيلة للحصول على ما ينبغي أن يكون متاحًا للمواطن في وطنه، وتتحمل الأسر تكاليف الهجرة، وتفقد الولايات جزءًا من شبابها وكفاءاتها، بينما تواجه المدن الكبرى ضغوطًا متزايدة على السكن والنقل والخدمات.

ولا يكون الحل بإضعاف أم درمان، أو نقل سكانها، أو الاكتفاء بإعادة ترتيب عمرانها الداخلي. بل يكون ببناء ولايات قادرة على توفير التعليم الجيد، وربط المعرفة بالإنتاج، وتطوير الصناعات بالقرب من الموارد متى أثبتت الجدوى، وتحسين الخدمات والبنية التحتية، وجعل الاستثمار والعمل والحياة الكريمة ممكنة خارج المركز.

وفي المقابل، تستطيع أم درمان أن تصون هويتها التاريخية، وتطور اقتصادها الثقافي والسياحي، وتحسن إدارة نموها العمراني، وتواصل أداء أدوارها الوطنية من دون أن تتحمل وحدها عبء الفرص التي ينبغي أن تتوزع على الوطن كله.

إن العدالة المكانية ليست أن تتشابه الولايات في كل شيء، بل أن تمتلك كل ولاية فرصة حقيقية لتطوير ميزاتها، وتلبية احتياجات سكانها، والمشاركة في الاقتصاد الوطني، وأن يتمكن المواطن من اختيار مكان حياته من دون أن يجبره نقص التعليم أو العمل أو الخدمات على الرحيل.

فالوطن المتوازن ليس وطنًا تتراجع فيه أم درمان، بل وطن تتقدم فيه الولايات، وتتعدد فيه مراكز المعرفة والإنتاج والاستثمار، وتتوزع فيه الخدمات والفرص بعدالة، وتتكامل فيه المدن بدلًا من أن تتنافس على استيعاب كل شيء.

ليس المطلوب أن نُخرج الناس من أم درمان، بل أن ننهي الأسباب التي تجعل مغادرة الولايات ضرورة. وليس المطلوب أن يتراجع المركز، بل أن ترتفع قدرة الوطن كله.

حين تصبح الولايات أكثر قدرة على صناعة الفرص، تتحول أم درمان من مركز تتكدس فيه الضرورات إلى مدينة تؤدي دورها الوطني والتاريخي ضمن شبكة متوازنة من المدن والولايات. وعندها لا يكون التوازن خسارةً للمركز، بل مكسبًا للسودان كله.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى