
حين يسكن الماضي القلب… ويغادر الجسد وحده
ليس كل من يمشي في الحاضر يعيش فيه…
فهناك من ترك قلبه منذ سنوات على عتبة بيت قديم، أو في شارع كانت تملؤه الضحكات، أو بين وجوه رحلت، أو في زمن كان أكثر دفئًا وأقل قسوة يمضي بجسده مع الأيام، لكنه كل مساء يعود بروحه إلى هناك… إلى حيث توقفت عقارب قلبه، ولم تعد تعرف طريقًا إلى الأمام.
إنه شعور لا يشبه الحنين العابر، بل هو إقامة دائمة في وطنٍ لم يعد موجودًا إلا في الذاكرة.
الماضي لا يرحل عن هؤلاء… بل يسكنهم.
تستيقظ تفاصيله معهم، وتنام في أعينهم، وتطل عليهم من نافذة كل أغنية، ومن رائحة كل مكان، ومن صوت كل مطر، ومن نسمة هواء تمر صدفة فتوقظ مدينة كاملة كانت نائمة في أعماقهم.
والمؤلم في الأمر، أن العقل يعرف الحقيقة…
يعرف أن تلك الأيام انتهت، وأن الوجوه تغيرت، وأن البيوت أغلقت أبوابها، وأن الضحكات أصبحت صدى بعيدًا، وأن الزمن لا يعود إلى الوراء.
لكن القلب… ذلك القلب العنيد…
يرفض التصديق ، يظل واقفًا عند آخر لحظة أحبها، كطفل ينتظر أباه الذي أخبره أنه سيعود بعد قليل، ولا يعلم أن “القليل” قد أصبح عمرًا كاملًا ، كم هو موجع أن يعيش الإنسان حاضرًا لا يشعر به، لأنه ما زال يعيش ماضيًا لا يستطيع الوصول إليه.
يرى الناس من حوله، لكنه يبحث في وجوههم عن ملامح من رحلوا، يسمع الأصوات، لكنه يصغي إلى أصوات لم تعد موجودة، ويمر بالأماكن الجديدة، لكنه يقارنها دائمًا بتلك الأماكن التي احتضنت أجمل سنواته.
يضحك أحيانًا… لكن ضحكته تحمل شيئًا من البكاء.. ويبتسم… لكن خلف الابتسامة حكايات لم تجد من يسمعها..إنه لا يشتاق إلى الزمن نفسه… بل يشتاق إلى الإنسان الذي كانه في ذلك الزمن.
يشتاق إلى قلبٍ كان أخف، وروحٍ كانت أكثر اطمئنانًا، وأحلامٍ لم تجرحها الخيبات، ووجوهٍ كانت تمنحه معنى للحياة ، ولذلك، فإن أقسى أنواع الفقد ليست فقد الأشخاص فقط… بل فقد الإحساس الذي كنا نعيشه معهم ، فالأماكن يمكن أن تُبنى من جديد، والبيوت يمكن أن تُرمم، وحتى الصور يمكن أن تُستعاد… أما الشعور فإذا مات، لا يولد مرة أخرى بالشكل نفسه.
ويبقى الإنسان أسيرًا لذاكرته، يحملها كما يحمل المسافر حقيبة لا يستطيع تركها، رغم أنها أثقلت كتفيه وأبطأت خطواته.
يحاول أن يقاوم… أن ينسى… أن يبدأ من جديد… لكن الحنين أقوى من الإرادة أحيانًا.
إنه يأتي بلا موعد، ويقتحم القلب بلا استئذان، وينتزع الإنسان من واقعه انتزاعًا، ليعيده إلى زمنٍ صار جمرًا تحت رماد السنين.
هناك… حيث لا يزال يسمع الأصوات كما كانت… ويرى الوجوه كما كانت … ويشم رائحة الأيام كما كانت … ثم يعود فجأة إلى الحقيقة… فيجد أن كل شيء قد تغير، إلا قلبه… وهنا يكمن الوجع كله…
أن يتقدم العمر، بينما يظل القلب واقفًا في محطة قديمة، يلوح لقطار رحل منذ زمن بعيد، وما زال ينتظر عودته.
وربما كانت أعظم مآسي الإنسان أن يعيش نصف حياته في الواقع، ونصفها الآخر في الذكريات…
حتى يصبح غريبًا في الحاضر، ومقيمًا في الماضي.
ورغم كل هذا الألم، يبقى للذكريات فضل لا ينكره أحد…
فهي وإن كانت تؤلمنا، إلا أنها الدليل الوحيد على أننا أحببنا بصدق، وعشنا لحظات تستحق أن يرفض القلب نسيانها.
فالقلوب العظيمة لا تنسى بسهولة…
لأنها حين تحب، تكتب أسماء من أحبّت على صفحات الزمن، لا على صفحات العمر.





