
دموع الغابات
ليست المدن وحدها من تتعب في الحروب حتى الأشجار تحفظ خوفها بصمت، تذبل الغابات بعيدًا عن عدسات الكاميرات بينما ينشغل الجميع بعدّ خسائر البشر وحدهم لكن الأرض أيضًا تخسر أبناءها وتفقد التربة ذاكرتها القديمة وتتراجع الأشجار التي كانت تمنح الناس الظل والحطب والصمغ وشيئاً من الطمأنينة.
شهدت ولاية سنار امس جوله لممثل منظمة الاغذية والزراعة (الفاو) بالسودان، وجاءت هذه الجوله عقب زيارة لولايتي النيل الأبيض والنيل الازرق.
ومن وجهة نظري لم تكن هذه الجولة التي قام بها ممثل الفاو مجرد زيارة فنية للغابات لكنها مواجهة هادئة مع أثر آخر للحرب أثر لا يُسمع صوته بسهولة ، لكنه يترك جراحاً واضحة على جذوع الأشجار والمساحات التي أرهقها القطع والجفاف والإهمال .
فخلال سنوات الأخيرة التي اندلعت فيها الحرب لم تعد الغابة مجرد مساحة خضراء بعيدة عن الناس بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ملاذ أخير للطاقة والبقاء، فحين تضيق الحياة يذهب الناس إلى الأشجار يقطعونها أحيانًا لا قسوةً بل بحثًا عن البقاء فتدفع الطبيعة فاتورة الحرب بصمت طويل .
ما يحدث في قطاع الغابات يطرح سؤالًا مهمًا
هل يمكن أن نتحدث عن إعادة إعمار حقيقية بينما تتراجع المساحات الخضراء وتنهك الموارد الطبيعية .. فالطرق يمكن إصلاحها والمباني يمكن أن تعود لكن الشجرة التي تفقدها الأرض تحتاج سنوات طويلة حتى تستعيد ظلها القديم
في ولاية سنار التي تمتلك هذا الامتداد الغابي الكبير المتنوع تبدو الحاجة ملحة اليوم إلى ما هو أبعد من الزيارات والتقارير، حاجة إلى حماية ما تبقى وإعادة تأهيل ما أفسدته الحرب، ودعم المجتمعات التي تعيش على الغابة حتى لا تصبح مضطرة لاستنزافها من أجل البقاء.
نأمل أن تتحول هذه الجولات إلى بداية فعل حقيقي يعيد للغابات عافيتها وللأرض قدرتها على التنفس فالبيئة ليست رفاهية مؤجلة لكنها جزء من أمن الناس وحياتهم واستقرارهم .
نبض الورد
أحيانًا لا ننتبه أن الأشجار أيضًا تدخل الحرب
لكنها على عكس البشر لا تملك صوتًا لتروي ما حدث لها



