الوزارة الشبح: كيف وُلدت وزارة البيئة على الورق واختفت في الواقع؟
بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

الوزارة الشبح:
كيف وُلدت وزارة البيئة على الورق واختفت في الواقع؟
• قبل عام، وفي مثل هذا الوقت من مايو 2025، أُعلن عن حكومة الأمل برئاسة كامل إدريس، وضمن تشكيلتها وزارة بالرقم (22) تحمل اسمًا جديدًا لافتًا: وزارة البيئة والاستدامة.
• وبعد أشهر قليلة، في أكتوبر من العام نفسه، صدر قرار مجلس الوزراء رقم (170)، محددًا اختصاصاتها ومجالسها، من المجلس الأعلى للبيئة إلى مجلس التصحر والسلامة الحيوية.
• بدا الأمر، على الورق على الأقل، وكأن الدولة قررت أخيرًا أن تمنح البيئة موقعًا مستحقًا في بنيتها التنفيذية، وأن تنقل هذا الملف من هامش الخطاب إلى مركز السياسات العامة.
• لكن ما جرى بعد ذلك يكشف مفارقة يصعب تجاهلها: الوزارة بقيت موجودة رسميًا، وغائبة فعليًا.
لم يُعيَّن لها وزير، ولم يُعلن هيكلها التنظيمي، ولم يُعرف لها مقر، ولا حتى نافذة يمكن أن يقصدها مواطن أو باحث أو مؤسسة.
• كانت وزارة موجودة قانونيًا، لكنها ظلت غائبة فعليًا، كأنها كائن إداري لم يغادر الورق إلى الواقع.
• وهنا يضعنا المشهد أمام احتمالين، كلاهما محرج:
إما أن الوزارة لم تكن ضرورة مؤسسية أصلًا، فأُدرجت ضمن التشكيل الحكومي لتجميل صورة الدولة وإرضاء مقتضيات الخطاب الدولي المتصاعد حول البيئة والاستدامة وتغير المناخ.
أو أنها كانت ضرورة حقيقية، لكن ملفها أُهمل وسط تعقيدات الانتقال السياسي وتنازع الأولويات.
• هذا المشهد لا يخص البيئة وحدها، بل يخص معنى الدولة نفسها. فالمؤسسات لا تُقاس بما يُكتب عنها في الجريدة الرسمية، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس.
• وفي بلد يواجه تحديات متشابكة من التصحر، وتدهور الغابات، وشح المياه، والتوسع العمراني غير المنظم، لا تبدو البيئة ترفًا إداريًا يمكن تأجيله، بل ملفًا يمس أمن المجتمعات نفسها.
• والمفارقة أن الدولة لم تتردد في إنشاء الوزارة من حيث الشكل، لكنها ترددت — أو ربما تراجعت — عن منحها الحد الأدنى من الوجود الفعلي.
• وهنا يصبح الغياب نفسه رسالة؛ إذ لا يعود السؤال متعلقًا بوزارة بعينها، بل بطريقة صناعة القرار العام: كيف تُتخذ القرارات؟ ومن يراجع جدواها؟ ومن يفسر صمت المؤسسات حين تتوقف القرارات في منتصف الطريق؟
• لست هنا بصدد المطالبة اليوم بتنزيل القرار أو الإسراع بإحياء وزارة قد لا تكون قد وُلدت أصلًا خارج الوثائق.
• ما يستحق السؤال أولًا هو: ما الذي دعا إلى إنشاء وزارة كاملة الصلاحيات والاختصاصات ثم تركها معلقة بين النص والعدم:
هل هو تعبير عن رؤية دولة لم تكتمل، أم مجرد عنوان إداري لتجميل المشهد أمام العالم؟
• هذا سؤال لا يخص البيئة وحدها، بل يخص معنى الدولة نفسها. فالمؤسسات لا تُقاس بما يُكتب عنها في الجريدة الرسمية، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس.
• أما الوزارة التي وُلدت على الورق ثم اختفت في الواقع، فهي ليست مجرد وزارة غائبة، بل شاهد صامت على خلل أعمق في إدارة الدولة:
أن القرار قد يولد مكتملًا في الأوراق، ثم يموت قبل أن يلامس الواقع.








