دموع الورد

ذاكرة الحرب لا تُمحى بسهولة

دموع الورد : د. نوال خضر

 

ذاكرة الحرب لا تُمحى بسهولة

الحروب لا تنتهي دائمًا بانحسار المعارك، ولا تُطوى آثارها بمجرد تبدّل المواقف أو الاصطفافات وغالباً ما يبقى عالقًا في الذاكرة يتجدد كلما عادت رموزه إلى المشهد، أو استُحضرت صوره في الذاكرة العامة ولذلك لايمكن لكل من عايش الحرب بولايات الخرطوم، الجزيرة، سنار، النيل الأبيض، ولايات كردفان الكبري وولايات دارفور أن يتعامل مع التفاصيل بسطحية لأن بعض التفاصيل تحمل من الدلالات ما يفوق ظاهرها بكثير.

فالحرب لم تكن مجرد حدث سياسي أو عسكري لكنها كانت تجربة حفرت آثارها في النفوس والبيوت والشوارع. لذلك فإن أي رمز ارتبط بتلك المرحلة يظل حاضرًا في الوعي الجمعي مهما تغيرت الظروف أو تبدلت المواقع. لقد تحدثت سابقاً من خلال هذه الزاوية عن ضرورة التعامل مع قرارات القياده بالقبول في الوقت الراهن لأن من يدير الدوله قد يري ما لانراه ولأن للسلام ثمن كما كانت للحرب أثمان. وتحدثت عن عودة النور القبه إلى صفوف الجيش والدولة وقلت أنه يمكن النظر إليها من زاوية إيجابية بوصفها مراجعة للمواقف وانحيازًا متأخرًا إلى المؤسسة الوطنية ولا شك أن أبواب الوطن يجب أن تظل مفتوحة لمن يختار العودة إليه متى ما كانت النية صادقة في تصحيح المسار.

لكن هذه العودة نفسها لا يمكن فصلها عن السياق الذي جاءت فيه، فالمتابعون يرون أن ما حدث كان أيضًا نتيجة شعور بالتهميش داخل صفوف الدعم السريع وهو ما يجعل الحدث قابلًا لقراءات متعددة فبين من يراه صحوة ضمير، ومن يراه انعكاسًا لاختلالات داخلية، تبقى الحقيقة أن حسن النوايا وحده لا يكفي لصناعة القبول الشعبي الكامل.

فالقبول لا يُبنى فقط على إعلان المواقف بل على الكيفية التي تُدار بها هذه العودة وعلى مراعاة حساسية المجتمع تجاه الرموز المرتبطة بالحرب. ولهذا فقد كان ظهور بعض منسوبي العائد النور القبه وهم يتجولون في شوارع الخرطوم ويرفعون اللايفات وهم لايزالون يرتدون ذلك الزي الذي ارتبط في أذهان الناس بفترة شديدة القسوة يعد أمرًا مستفزًا حتى وإن لم يكن مقصودًا به ذلك.

لأن المواطن الذي عانى لا ينظر إلى الزي كقطعة قماش بل كصورة تختزن في داخلها الخوف والوجع والمرارات وكثير من المشاهد التي لايمكن للذاره أن تتخطاها بسهولة، وهنا تتجلى أهمية الوعي بالرمزية فحين تكون الجراح لا تزال مفتوحة ولم تلتئم بعد يصبح احترام الذاكرة الجماعية جزءًا من مسؤولية القيادة قبل أن تخطو أي خطوة نحو المصالحة أو إعادة الدمج، فالمواطن قد يقبل العودة لكنه بالتأكيد لا يقبل تجاهل آلامه أو التقليل من أثر ما عاشه، وقد تحدثت سابقاً عن ضرورة توحيد الزي العسكري تحت عنوان أرضاً كدمول وقلت أن الكدمول يذكرنا بما عانيناه فترة الحرب فما بالنا بالزي نفسه يعود وفي شوارع الخرطوم التي عاد لها مواطنوها وهم ينشدون الأمن والأمان والعيش الكريم.

إن السودان في هذه المرحلة الدقيقة بحاجة إلى خطاب حكيم وإدارة واعية للمشهد بحيث تُفتح أبواب الوطن لمن يعودون إليه دون أن يُفرض على الناس تجاوز ذاكرتهم قبل أن تجد ما يطمئنها.

فذاكرة الحرب لا تُمحي بسهولة لكنها قد تتعافى إذا أُحسن التعامل معها.

نبض الورد

كلكم راع وكلكم مسؤل عن رعيته

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى