
يقظة المعنى في زمن الغفلة
نحن لا نعيش ازمة واقع بل ازمة ادراك لهذا الواقع. فالعالم من حولنا لم يفقد معناه بقدر ما فقدنا نحن القدرة على رؤيته كما هو. وبين ضجيج الشعارات وصخب الصور تبهت الحقيقة، لا لانها غائبة، بل لان العيون لم تعد تبصر الا ما اعتادت عليه.
لقد تحولت القيم من قوة تحرك الانسان الى عبارات تزين خطابه. واصبح ما يقال اهم مما يفعل، حتى بدا وكان المعنى ذاته قد استبدل بصورته. فحين ينفصل الجوهر عن المظهر، لا يعود الزيف استثناء، بل يتحول الى قاعدة مقبولة يعاد انتاجها يوما بعد يوم.
ان اخطر ما يواجه الانسان ليس القهر الظاهر، بل ذلك الترويض الصامت للعقل؛ حين يدرب على التلقي بدل التساؤل، وعلى الامتثال بدل الفهم. عندها لا تغتال الحرية بالقوة، بل تفرغ من داخلها، ويصبح الانسان حارسا لسجنه، يبرر قيوده ويخشى الخروج منها.
وفي هذا السياق تتشكل علاقات هشة، تكافئ التوافق الشكلي وتقضي على الصدق المزعج. فيحب الانسان لا لانه صادق، بل لانه مريح، ويرفض لا لانه مخطئ، بل لانه يوقظ الاسئلة. غير ان الاسئلة مهما اجلت لا تموت، بل تعود اكثر الحاحا، لان الحقيقة لا تلغى بالصمت، بل تتراكم حتى تنفجر.
وما يزيد الماساة عمقا هو تلك القدرة العجيبة على التعايش مع التناقض: ان ندين ما نمارس، ونرفض ما نبرر، ونبحث عن العدالة ونحن نغض الطرف عن غيابها في اقرب الدوائر الينا. هنا لا يكون الخلل في الواقع وحده، بل في وعينا به؛ في تلك المسافة بين ما نعرفه وما نجرا على عيشه.
ان استعادة المعنى لا تبدأ باصلاح العالم، بل باعادة بناء السؤال. فالسؤال الصادق اخطر من الاجابة الجاهزة، لانه يفتح افقا لا يمكن اغلاقه. وحين يحترم الانسان عقله، لا يعود تابعا لما يقال، بل شريكا في اكتشاف ما يجب ان يفهم.
وفي النهاية، لن يتغير شيء لاننا ادركنا الخلل، بل لاننا رفضنا التعايش معه. فالحقيقة لا تحتاج الى من يرددها، بل الى من يعيشها، والوعي لا يقاس بما نعرف، بل بما نختار ان نكونه.
في زمن يزداد فيه الضجيج، تظل اليقظة فعلا نادرا… لكنها وحدها البداية.









