مقالات

التغير المناخي وأثره على عينات الخريف في السودان

بقلم د. نبيل عطا فرح : خبير الاستدامة والتربية البيئية

التغير المناخي وأثره على عينات الخريف في السودان

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

صدق الله العظيم ( سورة الروم _ الآية 41)

يُعد الخريف في السودان واحداً من أهم المواسم التي ارتبطت بحياة الناس منذ القدم، حيث اعتمدت عليه الزراعة، والرعي، وحركة المجتمعات الريفية، وحتى الأمثال الشعبية والمعارف التقليدية وقد قسم أهل السودان الخريف إلى عشر عينات، تبدأ بنزول

1. الثريا في 17 مايو

2. العصا العطشانة، وتبدأ يوم «13» يونيو وتنتهي يوم «25» يونيو، وتتميز العصا العطشانة بكثرة الكتاحة التي تعرف بالسفاية، وتحول اتجاه الرياح من الشمال الشرقي الى الجنوب الغربي

3. وعينة العصا الرويانة وتبدأ «26» يونيو الى «8» يوليو، ويكون فيها الجو معتدلاً وبارداً، وفيها تنتهي رغبة الانسان في شرب الماء الكثير.

٤. يبدأ الخريف بعينة الضراع ويبدأ يوم 7» يوليو الى يوم «21» يوليو، ويقال عنه إن صح خريف وإن بطل صيف.

٥. النترة من يوم «22 يوليو» إلى «3 أغسطس وتتميز بنمو الحشائش وظهور حشرات الخريف.

6. الطرفة من «4 أغسطس» إلى «17» أغسطس وتسمى الطرفة البكاية لكثرة المطر المتواصل طول اليوم.

7. الجبهة من «18» أغسطس إلى «31» أغسطس وهي ذروة الخريف والمطر الثقيل وتسمى الجبهة النداية لكثرة الندى على النباتات.

8. الخرسان من أول سبتمبر« إلى «13» سبتمبر وفيها يندر المطر، واذا نزل المطر يكون شديداً يتخلله الرعد المدوى والبرق اللامع.

9. العوا من «14» سبتمبر إلى «27» سبتمبر، ويكثر في العوا الرعد.

١٠. السماك من «28» سبتمبر إلى «10» أكتوبر ويقال عن عينتي العوا والسماك «يا مطر كفاك ويا سماء امسكي ماك».

و من علامات الخريف البرق القبلي الذي يبدأ في الصعود من ناحية القبلة، ويسمي ايضا بمربط العجيل، ومطر القبلي وفق موروث اهل البادية بأنه مضمون، وهناك بروق العبادي، البطحاني، وهي صادقة الوعد ونادراً ما تخيب الظن أما برق الصعيد فيتميز ببريقه الأخاذ، ويأتي بالبرد والزيفة المسماة ايضاً بـ «القرة» الشديدة، كما تسمى مطرته بـ «الشعفوفة» التي تلحق الأضرار بالمنازل والأنعام.

ويعتبر السمبر اعظم دلاله علي بداية الخريف وطير الرهو وابو السِعن..

وهي إشارات ظل أهل البادية يعتمدون عليها لمعرفة مواقيت المطر.

لكن في السنوات الأخيرة، بدأ التغير المناخي يؤثر بصورة واضحة على هذا النظام الطبيعي الدقيق فقد أصبحت الأمطار غير منتظمة، وتأخرت بعض العينات، بينما اختفت خصائص بعضها الآخر وأحياناً تهطل الأمطار بغزارة خلال ساعات مسببة السيول والفيضانات، ثم تنقطع لفترات طويلة، مما أثر على الزراعة والمراعي وحياة الناس.

كما أدى ارتفاع درجات الحرارة وتذبذب الأمطار إلى تراجع الغطاء النباتي وضعف نمو الحشائش، خاصة في عينات النترة والطرفة والجبهة التي كانت تمثل ذروة اخضرار الأرض وأصبحت المراعي تعاني من الجفاف المبكر، الأمر الذي أثر على الثروة الحيوانية وزاد من معاناة الرعاة في البحث عن الماء والعشب.

ولم تسلم الغابات السودانية من هذا التأثير، حيث ساهم اضطراب الخريف مع القطع الجائر والحرائق والتصحر في تدهور مساحات واسعة من الغطاء الغابي، مما قلل من قدرة البيئة على حفظ التوازن المناخي وحماية التربة.

كذلك بدأت بعض العلامات الطبيعية المرتبطة بالخريف تفقد انتظامها فتغيرت حركة الطيور، وضعفت دقة بعض البروق التقليدية التي كان الناس يستدلون بها على المطر، وهو ما يعكس حجم التغير الذي أصاب البيئة السودانية.

إن المحافظة على الغابات والمراعي ونشر الوعي البيئي أصبحت ضرورة ملحة لمواجهة آثار التغير المناخي، خاصة مع أهمية توثيق المعارف التقليدية المرتبطة بعينات الخريف باعتبارها جزءاً مهماً من التراث البيئي السوداني.

اللهم اجعل خريف هذا العام خريف خير وبركة،

وأدم على السودان نعمة المطر والأمن والخضرة والاستقرار.

عشان هنانا .. وعشان منانا .. وعشان عيون أطفالنا ما تضوق الهزيمة ..

مستقبل مستدام يبدأ اليوم وليس غدا ..

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى