
البرهان يدهش موسكو.. حين تتحول جغرافيا السودان إلى ثروة أفريقيا
ليست عظمة القادة فيما يملكون من أدوات السلطة، وإنما فيما يملكون من قدرة على استشراف المستقبل، وقراءة ما وراء الخرائط، وتحويل الجغرافيا الصامتة إلى قوة اقتصادية تتحدث بلغة المصالح والنفوذ.
ومن خلال متابعتي لزيارة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى روسيا، استوقفني طرح اقتصادي بالغ الذكاء، حمل في مضمونه ملامح رؤية استراتيجية تستحق أن تتجاوز قاعات السياسة إلى مراكز التخطيط الاقتصادي وصناعة القرار.
فقد طرح البرهان استعداد السودان لإقامة منطقة تجارية حرة على البحر الأحمر، بما يفتح المجال أمام التخزين والخدمات اللوجستية وربط سلاسل الإمداد بالدول الأفريقية الحبيسة، مع الاستعداد للتعاون مع روسيا في هذا المجال.
ولفت انتباهي ما بدا من ارتياح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى حديث البرهان، ذلك الارتياح الذي يمكن فهمه في سياق إدراك أهمية الموقع السوداني وما يتيحه من فرص للشراكات الاقتصادية.
ولعل براعة البرهان في هذا الطرح أنه لم يقدم السودان بوصفه دولة تبحث عن المساعدة، بل دولة تمتلك فرصة استثمارية كبرى، وتدعو الآخرين إلى المشاركة في صناعة مستقبلها.
وهنا يتجلى الفرق بين السياسة التي تستهلك الجغرافيا، والسياسة التي تحول الجغرافيا إلى ثروة.
فالسودان، بموقعه على البحر الأحمر وامتداداته البرية نحو العمق الأفريقي، يستطيع أن يصبح مركزا إقليميا لتجارة دول حبيسة، بينها تشاد وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى وإثيوبيا، متى توافرت الممرات الآمنة والبنية التحتية الكفؤة.
تخيلوا موانئ سودانية تستقبل البضائع القادمة من الأسواق العالمية، ومستودعات ضخمة تحفظها، ومناطق حرة تعيد تعبئتها وتوزيعها، وشبكات نقل تحملها إلى قلب أفريقيا.
إننا لا نتحدث عن رسوم عبور فحسب، بل عن اقتصاد متكامل تتحرك فيه الموانئ والمصارف وشركات التأمين والنقل والتخزين والصناعات والخدمات.
وكل حاوية تدخل هذه المنظومة يمكن أن تفتح أبوابا للعمل، وتضيف قيمة للاقتصاد، وتولد إيرادات بالعملات الأجنبية، وتنعش مدنا وولايات ظلت تنتظر نصيبها من التنمية.
إنها فلسفة اقتصادية تقوم على أن الثروة ليست فيما يخرج من الأرض وحدها، بل فيما يمر فوقها أيضا.
والأبعد من ذلك أن الدولة التي تصبح ممرا رئيسيا لتجارة جيرانها تكتسب مكانة سياسية تتجاوز قوتها الاقتصادية المباشرة؛ إذ تتشابك المصالح، وتتسع الشراكات، ويصبح استقرارها مصلحة مشتركة لدول الإقليم.
وهذه قوة ناعمة لا تصنعها الخطب، وإنما تصنعها المصالح المستدامة.
غير أن إعجابي بهذه الرؤية لا يحجب حقيقة أساسية: فالموقع الجغرافي يمنح الإمكانات، أما النجاح فتصنعه الإدارة.
لذلك يحتاج المشروع إلى استعادة الأمن، وتحديث الموانئ، وتأهيل السكك الحديدية والطرق، وتطوير المعابر، وتبسيط الإجراءات الجمركية، واستقطاب استثمارات جادة تحفظ السيادة وتحقق العائد الوطني.
كما يتطلب اتفاقات واضحة مع الدول المستفيدة، ودراسات جدوى تحدد حجم الطلب والتكلفة والعائد، حتى تتحول الرؤية إلى مشروع قابل للتنفيذ.
وهنا أرى أن طرح البرهان يستحق أن يكون نواة لاستراتيجية قومية تعيد بناء الاقتصاد السوداني على أسس الإنتاج والخدمات والتكامل الإقليمي.
فالسودان لا ينبغي أن يظل مصدرا للمواد الخام ومستوردا للقيمة المضافة، بينما يملك موقعا يؤهله للمشاركة في إدارة حركة التجارة الأفريقية.
إن ما طرحه البرهان في موسكو يحمل معنى أعمق من مشروع تجاري؛ إنه دعوة لإعادة اكتشاف السودان اقتصاديا، واستثمار عبقرية موقعه بعد عقود من الفرص الضائعة.
وإذا كانت الحروب تستنزف ثروات الأمم، فإن الرؤى الاقتصادية الكبرى هي التي تعيد بناءها.
لقد وضع البرهان فكرة جديرة بأن تتحول إلى مشروع دولة، ويبقى التحدي في القدرة على إنجازها.
فالقائد الذي يرى في البحر ميناء، وفي الميناء سوقا، وفي السوق قارة، إنما يقرأ المستقبل بعقل الدولة لا بعين اللحظة.
وعندما تتحول هذه الرؤية إلى واقع، لن يكون السودان مجرد بوابة إلى أفريقيا، بل أحد صناع اقتصادها.
وما أعظم أن يتحول موقع الوطن من قدر جغرافي إلى قرار اقتصادي، ومن حدود على الخريطة إلى آفاق للنهضة والازدهار.
السودان أولا.







