أمن الطاقة في السودان: من أزمة الكهرباء إلى سيادة الموارد والتنمية المستدامة رؤية استراتيجية لبناء منظومة طاقة متكاملة، وتنويع مصادر التوليد، وخفض التكلفة، وتعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية
إعداد : د. محمد صلاح علي الفكي

أمن الطاقة في السودان: من أزمة الكهرباء إلى سيادة الموارد والتنمية المستدامة
رؤية استراتيجية لبناء منظومة طاقة متكاملة، وتنويع مصادر التوليد، وخفض التكلفة، وتعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية
إعداد: د. محمد صلاح علي الفكي
هل تكمن أزمة الطاقة في السودان في نقص الموارد، أم في ضعف القدرة على تحويلها إلى كهرباء مستقرة وميسورة التكلفة تدعم حياة المواطن والإنتاج الوطني؟
يمتلك السودان موارد مائية وشمسية وريحية وبترولية، إلى جانب إمكانات واعدة لإنتاج الطاقة من المخلفات الزراعية والوقود الحيوي. لكن الحرب وأضرار البنية التحتية ونقص الصيانة والوقود وضعف كفاءة التشغيل عمّقت أزمة الإمداد. ومن هنا، يصبح أمن الطاقة قضية استراتيجية تتجاوز توفير الكهرباء إلى حماية الخدمات الأساسية، واستمرار الإنتاج، وتقليل التعرض للصدمات الخارجية.
استعادة الإمداد وبناء القدرة الوطنية
تبدأ الأولوية بإصلاح محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع المتضررة، وصيانة التوربينات والمولدات، وتأمين قطع الغيار، وتقليل الفاقد. ويمثل التوليد المائي ركيزة مهمة تستوجب تأهيل المحطات القائمة ودراسة فرص التوسع وفق توافر المياه والجدوى الاقتصادية والآثار البيئية
وبالتوازي، يمكن شراء الكهرباء من إثيوبيا عبر اتفاق شفاف يحدد الأسعار والكميات وشروط الدفع والالتزامات الفنية، ويحقق تبادلًا متوازنًا للمصالح. ويجب تقييم الاستيراد وفق التكلفة النهائية للكهرباء الواصلة، وقدرة خطوط النقل، واستقرار الإمداد، مع تنويع مصادر الطاقة لتجنب الاعتماد المفرط على مصدر واحد.
الطاقة المتجددة والتخزين والشبكات اللامركزية
توفر الطاقة الشمسية فرصة لتشغيل المنازل والمزارع ومحطات المياه والمستشفيات والمنشآت الصناعية. ويمكن ربط الألواح ببطاريات الليثيوم ومحولات ذكية، ودمجها بالمولدات القائمة لتقليل استهلاك الوقود وتحسين استمرارية الإمداد.
كما يمكن إنشاء شبكات كهرباء محلية صغيرة للمناطق الزراعية والقرى والمرافق الحيوية البعيدة عن الشبكة العامة. ويتيح الجمع المدروس بين الطاقة الشمسية والرياح والتخزين توفير بدائل مرنة، وفق موارد كل منطقة وطبيعة الطلب. وإلى جانب تنويع التوليد، يسهم تحسين كفاءة الأجهزة والمباني وإدارة أحمال الذروة في خفض الاستهلاك والحد من الحاجة إلى قدرات جديدة.
الجاتروفا والبيوغاز والوقود الحيوي
تُعد الجاتروفا نباتًا زيتيًا واعدًا يتحمل الجفاف نسبيًا، ويمكن أن ينمو في بعض البيئات القاسية والأراضي الهامشية، وتُستخرج من بذوره زيوت قابلة للتحويل إلى وقود حيوي. لكن نجاحه الاقتصادي ليس مضمونًا؛ لذلك يُقترح إطلاق مشروع تجريبي بالتعاون مع البحوث الزراعية لقياس إنتاج البذور والزيت، واحتياجات المياه، وتكلفة الوقود قبل التوسع.
ويمكن كذلك إنتاج البيوغاز والكهرباء من المخلفات الزراعية وروث الحيوانات، مع حماية الأراضي والمياه اللازمة لإنتاج الغذاء. أما البترول فيظل مهمًا لتشغيل المحطات القائمة، بينما يمثل الهيدروجين المنتج بالطاقة المتجددة خيارًا مستقبليًا يحتاج إلى دراسات جدوى واستثمارات متخصصة.
أمن الطاقة أساس الاستقرار والإنتاج الوطني
يتطلب تعزيز أمن الطاقة برنامجًا مرحليًا يبدأ بإصلاح الشبكات والمحطات وتأمين الإمداد، بالتوازي مع استعادة الربط الإقليمي والتوسع في الطاقة الشمسية والتخزين والشبكات المحلية الصغيرة. ثم تتطور مشروعات الرياح والبيوغاز والجاتروفا والهيدروجين وفق نتائج التقييم الفني والاقتصادي.
ويُقاس النجاح باستمرارية الكهرباء، وخفض تكلفة الكيلوواط ساعة، وتقليل فاقد الشبكة وساعات الانقطاع، وزيادة الطاقة المتاحة للقطاعات الإنتاجية.
إن أمن الطاقة في السودان لا يتحقق بمجرد امتلاك الموارد، بل بالقدرة على إدارتها وتنويعها وتحويلها إلى إمداد موثوق وميسور التكلفة. فكلما امتلك السودان منظومة طاقة أكثر كفاءة وتنوعًا، ازدادت قدرته على حماية خدماته الأساسية، وتحريك الزراعة والصناعة، وخلق فرص العمل، وتحقيق تنمية مستدامة تحسن حياة المواطن.








