
لا تفتشوا في الماضي… ابنوا المستقبل
«”جايي تفتش الماضي… خلاص الماضي ولى زمان
وجفت مقلتي الباكية… ونامت من سنين أحزان.”»
ليست كل الأغنيات مجرد كلمات تلامس الوجدان، فبعضها يتحول إلى حكمة، وبعض العبارات تتجاوز الفن لتصبح فلسفة في فهم الزمن وحركة التاريخ. فالماضي لا يعود، والزمن لا يسير إلى الخلف، والأمم التي تجعل من الأمس مشروعها السياسي تحكم على نفسها بأن تتأخر عن ركب الحضارة.
“الأمم العظيمة لا تعيش في ذاكرة الأمس، وإنما تصنع ذاكرة جديدة للأجيال القادمة.”
ليس المقصود أن ننسى تاريخنا، ولا أن نتجاهل دروسه، فالأمم التي تنسى تاريخها معرضة لأن تكرر أخطاءه. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول الماضي إلى ساحة دائمة للصراع، وإلى وسيلة لتبرير الفشل، وإلى خطاب يستهلك طاقات الشعوب دون أن يقدم لها مستقبلا أفضل.
هناك فرق كبير بين الأمة التي تتعلم من تاريخها، والأمة التي تعيش داخله. الأولى تجعل الماضي معلما، والثانية تجعله سجانا. الأولى تستخلص الدروس ثم تمضي، أما الثانية فتظل تعيد محاكمة الأحداث نفسها، حتى يصبح الزمن دائرة مغلقة تدور فيها الأجيال دون أن تتقدم خطوة واحدة. فالمستقبل لا يولد من اجترار الأمس، وإنما يولد من الشجاعة في اتخاذ قرار العبور إلى الغد.
إن التاريخ خلق ليكون معلما، لا سجانا. خلق ليضيء الطريق، لا ليمنع السير فيه. وما قيمة أن نربح معركة في صفحات التاريخ إذا خسرنا معركة بناء الوطن في الحاضر؟ وما جدوى أن نظل نبحث عن المذنبين في الأمس، بينما ينتظر أطفالنا مدارس أفضل، وشبابنا فرصا أوسع، ووطننا نهضة طال انتظارها؟
إلى كل من يحمل مسؤولية هذا الوطن…
إن الشعوب لا تنتظر منكم أن تعيدوا محاكمة الأمس، ولا أن تفتحوا ملفات لا تنتهي، ولا أن تقنعوا الناس بمن كان مخطئا ومن كان مصيبا قبل عشرات السنين. تلك مهمة المؤرخين والباحثين، أما مهمتكم فهي صناعة المستقبل، وتحويل الأمل إلى سياسات، والرؤية إلى مؤسسات، والوعود إلى إنجازات.
إن القائد الحقيقي لا يقاس بقدرته على استحضار الخصومات القديمة، وإنما بقدرته على صناعة التوافقات الوطنية. ولا يقاس بطول خطاباته، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الناس. مدرسة تفتح أبوابها، ومستشفى يستعيد رسالته، وطريق يربط المدن، ومزرعة تنتج، ومصنع يعمل، وعدالة يشعر بها المواطن، وأمن يطمئن إليه الجميع.
لقد علمتنا الحضارات أن الدول لا تنهض وهي تدير وجهها إلى الوراء. فكل أمة عظيمة احتفظت بذاكرتها، لكنها لم تجعلها تقود حاضرها. كانت تنظر إلى التاريخ بعين الاعتبار، وإلى المستقبل بعين الإبداع. ولهذا لم يكن الزمن عندها مساحة للبكاء على ما فات، بل فرصة لصناعة ما هو آت.
والسودان اليوم يقف أمام لحظة فارقة في تاريخه، لحظة تتطلب الانتقال من ثقافة الاتهام إلى ثقافة الإنجاز، ومن إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن الانقسام إلى الشراكة، ومن الخصومة إلى التنافس في خدمة الوطن.
إن الوطن لا يسأل أبناءه: من انتصر في خلافات الأمس؟ بل يسألهم: ماذا قدمتم للغد؟ ماذا فعلتم من أجل التعليم، والصحة، والاقتصاد، والعدالة، وإعادة الإعمار، وبناء الإنسان؟ فهذه هي الأسئلة التي تصنع الدول، أما الجدل الذي لا ينتهي حول الماضي فلا يصنع إلا مزيدا من الاستقطاب، ويستهلك أعمار الأمم في معارك لا رابح فيها.
إن المستقبل لا يبنى بالخطابات وحدها، وإنما بالإرادة، والعلم، والعمل، واحترام الإنسان، وسيادة القانون، وترسيخ قيم المواطنة. فحين يشعر المواطن أن كرامته مصونة، وأن الفرص متاحة، وأن الوطن يتسع للجميع، يصبح شريكا في البناء، لا متفرجا على الصراع.
دعوا الماضي يؤدي رسالته، فهو معلم للحكمة لا مصنع للخصومات. واتركوا للمؤرخين مهمة رواية الأمس، وتفرغوا أنتم لصناعة الغد.
فالأوطان لا تقاس بما كان، وإنما بما سيكون. والتاريخ لا يخلد الذين أكثروا من الحديث عن الماضي، بل يخلد الذين امتلكوا شجاعة بناء المستقبل، حتى يصبح حاضرهم ماضيا يفتخر به الأبناء، وتفخر به الأجيال.
إن السودان يستحق أن يكون مشروع أمل، لا مشروع خلاف. ويستحق أن تجتمع إرادة أبنائه حول البناء أكثر من الجدل، وحول العمل أكثر من الاتهام، وحول المستقبل أكثر من استدعاء الماضي.
فلنترك للأمس مكانه في صفحات التاريخ، ولنجعل الغد مكاننا في صفحات المجد.







