مقالات

أخطر ما نخسره… أن نعتاد الأزمات

بقلم :  د. الشاذلي عبداللطيف

أخطر ما نخسره… أن نعتاد الأزمات

ليست الكارثة الكبرى أن تمر الأوطان بالأزمات، فالتاريخ يخبرنا أن الأمم جميعها مرت بحروب، ومجاعات، وانهيارات اقتصادية، ثم نهضت من جديد. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما تتحول الأزمة إلى حالة اعتيادية، ويصبح الاستثناء هو القاعدة، ويألف الناس ما كان ينبغي أن يرفضوه.

في السودان، لم تعد الأزمة حدثًا طارئًا، بل أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. نستيقظ على أخبار الحرب، وننام على أخبار النزوح، ونقرأ عن انهيار الخدمات كما لو أنها أخبار الطقس. ومع مرور الزمن يفقد المجتمع حساسيته تجاه الخطر، وتضعف قدرته على المطالبة بالتغيير، لأن التكرار يخلق نوعًا من التعايش مع الواقع، حتى وإن كان مؤلمًا.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي شعب ليس الفقر، ولا حتى الحرب، وإنما اعتياد الفشل. فعندما يقتنع الإنسان بأن انقطاع الكهرباء أمر طبيعي، وأن تعطل التعليم أمر متوقع، وأن انهيار المؤسسات قدر لا يمكن تغييره، فإنه يكون قد خسر أول معركة في طريق الإصلاح، وهي معركة الوعي.

لقد علمتنا تجارب الأمم أن النهوض لا يبدأ بإعادة بناء الجسور والطرق، وإنما بإعادة بناء العقل الجمعي. فالشعوب التي نهضت لم تكن أكثر ثراءً من غيرها، لكنها رفضت أن تجعل الفشل أسلوب حياة، وآمنت بأن الأزمات مرحلة وليست مصيرًا.

ومن هنا، فإن مسؤولية النخب الفكرية والسياسية والإعلامية ليست أن تكتفي بوصف المأساة، بل أن تمنع المجتمع من التطبيع معها. فالتحذير من الخطأ، وكشف أسبابه، وطرح البدائل، ليست ترفًا فكريًا، بل واجب وطني. إن أخطر خطاب يمكن أن يسود هو ذلك الذي يوحي بأن ما يحدث لا يمكن تغييره، لأن اليأس هو الحليف الأول لكل أزمة طويلة.

كما أن المواطن نفسه شريك في صناعة المستقبل. فالدولة القوية لا تقوم على حكومة قوية فقط، وإنما على مجتمع يؤمن بقيمة القانون، ويحترم العمل، ويحافظ على المال العام، ويرفض الفساد مهما كان مصدره. فالإصلاح ليس مهمة السلطة وحدها، كما أن الفشل ليس مسؤوليتها وحدها، وإنما هو نتاج علاقة متبادلة بين الدولة والمجتمع.

إن السودان يمتلك من الموارد الطبيعية، والكفاءات البشرية، والموقع الجغرافي، ما يؤهله لأن يكون من الدول المؤثرة في محيطه الإفريقي والعربي. لكن هذه المقومات لا تتحول إلى إنجازات إلا عندما تُدار بعقل الدولة، لا بمنطق الأزمة، وبالمؤسسات، لا بالأفراد.

علينا أن ننتقل من ثقافة انتظار الحلول إلى ثقافة صناعة الحلول، ومن لوم الماضي إلى بناء المستقبل، ومن إدارة الخلاف إلى إدارة التنوع. فالوطن الذي يتسع لكل أبنائه لا يخشى اختلافهم، وإنما يستثمره في البناء.

إن الشعوب التي تصنع التاريخ ليست تلك التي لم تتعثر، بل تلك التي رفضت البقاء على الأرض بعد التعثر. ولذلك فإن الأمل ليس شعارًا عاطفيًا، بل قرارًا وطنيًا، والإصلاح ليس أمنية، بل مشروعًا يحتاج إلى إرادة وصبر وعمل.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يرافقنا كل يوم: هل نريد أن نكون جيلًا يورث أبناءه الأزمات، أم جيلًا يورثهم دولة تستحق أن يفخروا بالانتماء إليها؟

ذلك هو التحدي الحقيقي… وتلك هي بداية الطريق.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى