
وفاة موظف عادي جداً في يوم الخدمة المدنية – 23 يونيو
“ما دام هناك مجال للسخرية في المجتمع فهناك مجال للإصلاح”.
تبادرت هذه المقولة إلى ذهني وأنا أطالع تحقيقاً صحفياً قديماً للأستاذ صديق رمضان حول ظاهرة التملق الإداري، أو ما يُعرف شعبياً بـ”كسير الثلج”.
وهي ظاهرة لا تقتصر على مجتمع بعينه، بل تظهر بدرجات متفاوتة كلما ضعفت المؤسسية وتراجعت معايير الكفاءة وسيادة القانون.
وقد تناول الأدب العالمي هذه الظاهرة بعمق لافت، ومن أبرز الأعمال قصة “وفاة موظف” للأديب الروسي أنطون تشيخوف، ورواية “وفاة موظف عادي جداً” للكاتب الإيطالي فينتشنزو تشيرامي.
في قصة “وفاة موظف” يحضر موظف صغير عرضاً مسرحياً، فيعطس دون قصد فيصيب رذاذ عطسته مسؤولاً كبيراً يجلس أمامه. ورغم أن المسؤول قبل اعتذاره وأكد له أن الأمر لا يستحق القلق، ظل الموظف أسيراً للخوف، يكرر اعتذاراته بلا توقف حتى أنهكه ذلك تماماً.
لم تكن المأساة في العطسة، بل في الرعب الداخلي من السلطة وسوء الظن.
وتكمن عبقرية تشيخوف في كشف أثر الخوف حين يصبح مصير الإنسان معلقاً برضا السلطة لا بحماية القانون.
أما رواية “وفاة موظف عادي جداً” فتروي قصة موظف بسيط أمضى عمره في خدمة الدولة، ثم يجد نفسه تدريجياً منجرفاً نحو ممارسات لم يكن يتصور أنه سيقبل بها، حين تتقدم العلاقات الشخصية والنفوذ على الجدارة والاستحقاق.
ومن هنا تكتسب مناسبة يوم الخدمة المدنية معناها الأعمق؛ فهي ليست مجرد احتفال، بل فرصة للتأمل في معنى الوظيفة العامة.
إن أفضل ما يمكن أن تقدمه الدولة لموظفيها ومواطنيها هو ترسيخ ثقافة الجدارة والشفافية واحترام القانون.
فعندما يطمئن الموظف إلى أن تقدمه المهني مرهون بكفاءته، لا بقربه من النفوذ، تتراجع مظاهر التملق ويحل محلها الاحترام والثقة.
فالخدمة المدنية الناجحة لا تُبنى على الولاءات الشخصية أو التملق، بل على الكفاءة والنزاهة والاستقلال المهني.
فالموظف ليس تابعاً للمسؤول، كما أن المسؤول ليس مالكاً للمؤسسة، بل كلاهما يعمل داخل إطار القانون.
غير أن من أبرز التحديات اليوم تنامي ثقافة سوء الظن بالرجل العام، حتى أصبح من الصعب على كثيرين تصديق أن هناك من يعمل للمصلحة العامة دون منفعة شخصية، وكأن هذا النموذج لا وجود له إلا في عالم المثال أو في جمهورية أفلاطون.
بل إن التشكيك في الذمم يكاد يتحول من حالات عارضة إلى ثقافة عامة، رغم أن الواقع لا يخلو من نماذج صادقة تكرس حياتها لخدمة الناس دون مقابل.
ولعل الدرس الذي تقدمه لنا قصتا تشيخوف وتشيرامي هو أن قوة المؤسسات لا تُقاس بعدد موظفيها أو حجم مبانيها، بل بقدرتها على صون كرامة الإنسان وترسيخ العدالة، وجعل الكفاءة طريقاً طبيعياً للنجاح.
حينها فقط يتحول العمل العام من مصدر خوف وتملق وظن سيئ، إلى خدمة تقوم على الكفاءة والكرامة والثقة.







