دراسات

اختلال منظومة الاعتراف المؤسسي في الدولة الحديثة من تضخم الرمزية الأكاديمية إلى اضطراب معيار الجدارة في الخدمة العامة

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

اختلال منظومة الاعتراف المؤسسي في الدولة الحديثة

من تضخم الرمزية الأكاديمية إلى اضطراب معيار الجدارة في الخدمة العامة

أولاً: أولوية التشخيص على أدوات المعالجة

من الناحية المنهجية، لا يمكن بناء أدوات وآليات المعالجة قبل التوصل إلى تشخيص دقيق لطبيعة المشكلة. فتعريف الأزمة ليس خطوة تمهيدية، بل هو نقطة الحسم التي يتحدد على أساسها اتجاه الإصلاح وحدوده وإمكاناته.

إن أي تدخل إصلاحي لا يستند إلى تشخيص بنيوي متماسك يتحول غالباً إلى معالجة شكلية تُحسّن المظهر دون أن تمس جوهر الخلل، وقد يؤدي ذلك إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغ أكثر تعقيداً.

وعليه، فإن تحديد طبيعة الأزمة—هل هي أزمة حوكمة، أم خلل مؤسسي، أم ضعف في إدارة الموارد—يمثل الشرط السابق لأي سياسة عامة جادة. فالتشخيص البنيوي يسبق تصميم الأدوات والبرامج التنفيذية، لأن السياسة دون تشخيص تفقد قدرتها على إنتاج أثر مستدام وتتحول إلى استجابة ظرفية.

إذا تم الاتفاق على أن الأزمة هي أزمة حوكمة ومؤسسات وإدارة موارد، فإن النقاش ينتقل من سؤال: ما المشكلة؟ إلى سؤال: كيف تُدار المعالجة؟، وهنا تتفرع مسارات الإصلاح إلى محاور مترابطة تشمل:

إصلاح مؤسسات الدولة وبناء الكفاءة المؤسسية

تطوير الخدمة المدنية على أساس الجدارة

بناء منظومة حوكمة رشيدة

إنشاء مراكز للتخطيط الاستراتيجي

التحول نحو اقتصاد الإنتاج واقتصاد المعرفة

بناء نظام وطني للمتابعة والتقييم

غير أن الانتقال إلى هذه المرحلة يظل مشروطاً بوضوح التشخيص واستقراره، بوصفه الإطار الذي يمنح السياسات معناها واتجاهها وقابليتها للتنفيذ.

ثانياً: اختلال منظومة الاعتراف المؤسسي — تشخيص بنيوي معمّق

في بعض المؤسسات العامة والتنموية، يحدث تضخم غير متوازن في أعداد الحاصلين على درجات علمية عليا، بما يؤدي إلى اتساع الاستخدام الرمزي للقب دكتور داخل البيئة المؤسسية، بصرف النظر عن صلته المباشرة بطبيعة الوظيفة أو متطلبات الأداء الفعلي.

ومع الزمن، يتحول اللقب الأكاديمي من توصيف علمي دقيق إلى هوية رمزية اجتماعية داخل المؤسسة، تُستخدم أحياناً كبديل ضمني لمعيار الكفاءة، بدلاً من أن يظل مرتبطاً بسياقه العلمي الطبيعي.

وفي بعض الحالات، يُطلب من الحاصلين على درجات علمية عليا توظيف نتائج أبحاثهم بشكل مباشر في تطوير العمل المؤسسي، دون مراعاة الفجوة البنيوية بين إنتاج المعرفة الأكاديمية وإنتاج القرار التنفيذي، وهو ما يؤدي إلى سوء مواءمة وظيفي بين المجالين.

كما تتسع ظاهرة ربط المكانة الوظيفية باللقب العلمي، بما يحوّل المؤهل الأكاديمي من دلالة تخصصية إلى عنصر تعريف إداري داخل الخدمة العامة، رغم اختلاف طبيعة المجالين من حيث الأهداف والأدوات ومعايير التقييم.

ويبرز هذا الاختلال بصورة أوضح حين يُقدَّم بعض شاغلي المناصب التنفيذية في الخطاب الإعلامي بلقب دكتور، رغم أن موقعهم الوظيفي لا يستند إلى هذا اللقب، مما يعكس اضطراباً في ضبط المسميات أكثر مما يعكس منطقاً مؤسسياً للجدارة.

وهكذا يتضح أن الأزمة ليست في قيمة المؤهلات العلمية في ذاتها، بل في غياب الفصل المؤسسي بين:

إنتاج المعرفة

إنتاج القرار التنفيذي

إنتاج المكانة الوظيفية

وهو ما يؤدي إلى تشوش منهجي في معايير التقييم داخل الدولة الحديثة.

ثالثاً: معايير الجدارة — من التصور إلى القياس المؤسسي

تُفهم الجدارة بوصفها منظومة معيارية لقياس القدرة الفعلية على إنتاج القيمة داخل المؤسسة العامة، بعيداً عن الألقاب والرموز الشكلية، وبالاعتماد على الأداء والأثر القابلين للقياس.

ولا يكتمل مفهوم الجدارة إلا بتحويله إلى منظومة تشغيلية قابلة للقياس، تقوم على مستويين:

(1) مستوى المعايير

الأداء المؤسسي: تحقيق الأهداف وفق مؤشرات محددة

الكفاءة المهنية: جودة التنفيذ ودقة المخرجات

الخبرة التطبيقية: التراكم العملي في بيئات واقعية

المهارات السلوكية: التواصل والعمل الجماعي واتخاذ القرار

التطوير المستمر: التعلم والتحديث المهني

الاعتماد المهني: الشهادات والزمالات المعتمدة

الابتكار: إنتاج حلول قابلة للتطبيق

القدرة القيادية: إدارة الفرق وصناعة القرار

إدارة التغيير: قيادة التحولات المؤسسية

(2) مستوى القياس المؤسسي

تحويل كل معيار إلى مؤشرات أداء (KPIs) واضحة

بناء أوزان نسبية لكل معيار حسب طبيعة الوظيفة

إنشاء سجل أداء فردي مؤسسي قابل للتتبع الزمني

ربط الترقية والحوافز بنتائج القياس لا بالألقاب

إنشاء وحدة وطنية مستقلة للجدارة والقياس المؤسسي

وبذلك تتحول الجدارة من مفهوم وصفي إلى نظام حوكمة تشغيلية، يعيد تعريف الوظيفة العامة بوصفها مجالاً لإنتاج القيمة، لا لإنتاج المكانة.

رابعاً: إعادة هندسة منظومة الاعتراف المؤسسي

تكشف هذه الحالة أن جوهر الأزمة لا يتمثل في التعليم أو المؤهلات في ذاتها، بل في اختلال منظومة الاعتراف المؤسسي داخل الدولة، نتيجة تداخل غير منضبط بين الأنساق الأكاديمية والمهنية والتنفيذية.

وينتج عن ذلك اضطراب في العلاقة بين:

المؤهل → الدور → الوظيفة → الأداء → الأثر

وبالتالي فإن إعادة بناء الدولة الحديثة لا تتطلب زيادة في المؤهلات، بل إعادة هندسة العلاقة بين المعرفة والوظيفة، بحيث تُفصل مواقع إنتاج المعرفة عن مواقع إنتاج القرار التنفيذي، وتُدار الخدمة العامة بمنطق القياس لا بمنطق الرمزية.

خامساً: نحو دولة تُدار بمنظومات القياس لا بالرموز

الدولة الحديثة لا تُدار بتضخم الرموز، بل بمنظومات قياس واضحة.

ولا تُقاس بالمؤهلات، بل بالأثر القابل للتحقق.

وعندما تُعاد هندسة منظومة الاعتراف المؤسسي على أساس الجدارة، تتحول الخدمة العامة من فضاء رمزي إلى منظومة إنتاج قيمة، ويصبح معيار الحكم في الدولة سؤالاً واحداً:

ما الذي تحقق؟ وكيف يمكن قياسه؟

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى