
حقن الدماء ووحدة السودان: نداء شرعي قبل اتساع الفتنة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي عظمت شريعته حرمة الدماء، وجعلت اصلاح ذات البين من اجل القربات واعظم الواجبات.
يمر السودان اليوم بمرحلة دقيقة تحتاج الى الحكمة لا الانفعال، والى الصلح لا التصعيد، والى جمع الكلمة لا تمزيق الصف. وفي مثل هذه الظروف تصبح الكلمة مسؤولية، والمنشور مسؤولية، والموقف مسؤولية، لان الفتنة اذا اشتعلت لا تقف عند حدود قبيلة ولا منطقة ولا سوق، بل تمتد اثارها الى الامن والمعاش والنسيج الاجتماعي كله.
لقد قرر الاسلام اصلا عظيما في بناء المجتمع، فقال الله تعالى: (انما المؤمنون اخوة فاصلحوا بين اخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون). فهذه الاية لا تقرر معنى روحيا مجردا، بل تضع واجبا عمليا على الناس: اذا وقع الخلاف وجب الاصلاح، واذا ظهرت بوادر الفتنة وجب اطفاؤها، واذا ارتفعت الاصوات وجب ان يتقدم صوت العقل والعدل.
والسودان، بكل قبائله ومكوناته في الشرق والغرب والشمال والوسط والجنوب، وطن قام على التداخل والتعارف والجوار والمصاهرة والمصالح المشتركة. وما بنته الاجيال عبر السنين لا يجوز ان يهدمه غضب ساعة، ولا شائعة عابرة، ولا خطاب تحريضي، ولا حشد غير محسوب.
ان الدماء في ميزان الشرع ليست امرا هينا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه”. وقال عليه الصلاة والسلام: “لزوال الدنيا اهون عند الله من قتل رجل مسلم”. ولذلك كان حفظ النفس من اعظم مقاصد الشريعة، وكان الاعتداء على الدماء بابا من اخطر ابواب الفتنة والندم.
ومن فقه الشرع ان المسلم لا ينظر الى لحظة الغضب وحدها، بل ينظر الى العواقب. فكم من نزاع بدأ بكلمة ثم انتهى بدم، وكم من خصومة محدودة تحولت الى ثأر طويل، وكم من نار صغيرة احرقت بيوتا واسواقا وقطعت ارزاقا وفرقت بين اهل كانوا اخوة وجيرانا.
ولهذا حذر الله تعالى من التنازع فقال: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم). فالنزاع يضعف الجميع، والفتنة تهزم الجميع، والاقتتال الاهلي لا يترك منتصرا حقيقيا، بل يترك جراحا في القلوب، وخسائر في الارواح، وخرابا في الثقة بين الناس.
وفي زمن الازمات تصبح الشائعة اشد خطرا من السلاح احيانا، لانها تهيئ النفوس للعداوة وتدفع الناس الى سوء الظن. وقد قال الله تعالى: (يا ايها الذين امنوا ان جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين). فالتثبت واجب، ونقل الاخبار دون بينة مشاركة في الفتنة، والتحريض على الكراهية جريمة شرعية واخلاقية ووطنية.
ان الواجب اليوم على العلماء والدعاة والنظار والعمد والمشايخ والقيادات الاهلية والشباب والاعلاميين ومؤسسات الدولة ان يقدموا واجب حقن الدماء على كل اعتبار. والمطلوب ليس مجرد كلمات عامة، بل خطوات واضحة: وقف خطاب التحريض، منع الحشود، جمع الاطراف على مائدة الصلح، الاحتكام الى الشرع والقانون، حماية الاسواق والطرق، ومحاسبة كل من يسعى لاشعال الفتنة بين ابناء الوطن الواحد.
الشجاعة الحقيقية ليست في اشعال النزاع، بل في اطفائه. وليست في الانتصار للقبيلة عند الغضب، بل في الانتصار للحق والعدل وحفظ الدماء. ومن منع دما ان يسفك، او اصلح بين متخاصمين، او اسكت صوت فتنة، فقد قدم للسودان عملا عظيما لا يقل شأنا عن اي ميدان من ميادين الكرامة والوطنية.
ان السودان لا يحتمل فتنة جديدة، ولا يحتمل ان تتحول الخلافات المحلية الى جراح وطنية. وكل قبيلة في السودان هي جزء من جسد هذا الوطن، اذا تألم عضو منه تألم الجسد كله. لذلك فإن حفظ الاخوة، وصيانة الدماء، وجمع الكلمة، ليست شعارات للزينة، بل واجبات شرعية وضرورات وطنية.
نسأل الله ان يحفظ السودان واهله، وان يؤلف بين القلوب، وان يصلح ذات البين، وان يجنب بلادنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وان يجعل الحكمة والعدل والرحمة طريقا يجمع كل السودانيين على الخير والامن والاستقرار.
والله ولي التوفيق.








