مقالات

عبد الوهاب مكي أحمد محمد.. الرجل الذي أعاد للمظلومين إيمانهم بالقانون

بقلم :  د. الشاذلي عبداللطيف

عبد الوهاب مكي أحمد محمد.. الرجل الذي أعاد للمظلومين إيمانهم بالقانون

بعض الرجال لا تصنعهم المناصب، ولا ترفعهم الألقاب، وإنما تصنعهم المواقف حين يختار الآخرون الصمت، ويرتفعون حين ينحازون للحق في أكثر اللحظات قسوةً وتعقيداً.

ومن بين هؤلاء يبرز اسم الأستاذ/ عبد الوهاب مكي أحمد محمد، كواحد من أنبل رجال القانون الذين مروا على الساحة العدلية السودانية؛ رجلٌ لم يتعامل مع المحاماة كمهنة، بل كرسالة أخلاقية ووطنية وإنسانية، حملها بإيمانٍ نادر وصبرٍ لا يعرف الانكسار.

لم تبدأ معركة عبد الوهاب مكي من الدفاع عن الآخرين، بل بدأت من معركته الشخصية ضد الظلم الإداري، حين انتصر لنفسه بالقانون، مؤمناً أن الحقوق لا تُوهب وإنما تُنتزع بالحجة والصبر والثبات. لكنه لم يتوقف عند حدود انتصاره الشخصي، بل حوّل تجربته إلى قضية عامة، ومضى يحمل ملفات السادة الضباط المفصولين تعسفياً من وزارة الداخلية، واضعاً نفسه في مواجهة واحدة من أعقد وأصعب المعارك القانونية والإدارية.

كانت الطريق شاقة.

وكان اليأس يسبق كثيرين إلى القلوب.

لكن عبد الوهاب مكي كان يرى ما لا يراه الآخرون؛ كان يرى أن القانون الحقيقي لا يموت، وأن العدالة قد تتأخر لكنها لا تسقط.

وقف الرجل داخل قاعات المحاكم ثابتاً كقاضٍ يحمل ضمير العدالة، لا كمحامٍ يبحث عن انتصار عابر. وكان يدرك أن معركته لم تكن دفاعاً عن أشخاص فقط، بل دفاعاً عن مبدأ، وعن فكرة الدولة نفسها حين تُدار بالقانون لا بالأهواء.

قاد عشرات المعارك القانونية الشرسة، متنقلاً بين درجات التقاضي المختلفة، حتى استطاع بعلمه العميق وصلابة منطقه أن يحقق سلسلة من الانتصارات التي أعادت الحقوق والاعتبار لكثير من الضباط الذين طالتهم قرارات الفصل والإحالة التعسفية.

وجاء الحكم الأخير الصادر من المحكمة الإدارية العليا برئاسة مولانا الدكتور/ حبيب الرحمن محمد أحمد، ليضيف صفحة جديدة إلى سجل هذا الرجل الاستثنائي، حيث قضت المحكمة بإلغاء قرار وزير الداخلية السابق/ خليل باشا سايرين بحق:

رائد شرطة يوسف محمد أحمد جدو

نقيب شرطة محمد قيدوم موسى علي

بعد أن ثبت يقيناً عدم وجود أي إدانة تمس الشرف أو الأمانة، وأن القرار الإداري قد صدر مشوباً بعيب عدم الاختصاص.

ذلك الحكم لم يكن مجرد انتصار قانوني جديد، بل كان إعلاناً مدوياً لانتصار العدالة على التعسف، وانتصار المشروعية على القرارات التي تُبنى خارج صحيح القانون.

لقد أعاد عبد الوهاب مكي لكثيرين شيئاً أكبر من الوظيفة نفسها؛ أعاد لهم الكرامة، والثقة، والإيمان بأن العدالة لا تزال ممكنة مهما اشتدت العواصف.

لم يكن يبحث عن شهرة.

ولم يكن يسعى إلى مجدٍ شخصي.

كان يحمل وجع الناس وكأنه وجعه، ويدافع عن المظلومين بإيمان رجلٍ يعرف أن أعظم ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه هو موقف شريف في وجه الظلم.

وفي زمنٍ اختلطت فيه المصالح بالمواقف، بقي عبد الوهاب مكي منحازاً للقانون وحده، ثابتاً على مبدئه، مؤمناً أن المحامي الحقيقي لا يُقاس بعدد القضايا التي يكسبها، بل بعدد المظلومين الذين أعاد إليهم الأمل.

إن الأستاذ عبد الوهاب مكي أحمد محمد لا يستحق منا مجرد عبارات الشكر، بل يستحق أن يُكتب اسمه في ذاكرة العدالة السودانية كواحد من الرجال الذين انتصروا للقانون حين كان الانتصار له مكلفاً وصعباً.

ومن هنا، فإن الوفاء لهذا الرجل لا يكون بالكلمات وحدها، بل بتكريمه التكريم الذي يليق بمقامه وعطائه وتاريخه، عبر تكوين لجنة خاصة تضم كل الذين أعاد لهم هذا الرجل حقوقهم وكرامتهم، وكل من عرف فضله ومواقفه المشرفة.

سيبقى اسم عبد الوهاب مكي أحمد محمد أكبر من مجرد محامٍ كسب قضايا.

سيبقى رمزاً لرجلٍ أعاد للمظلومين إيمانهم بالقانون.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى