
طرائف ومفارقات غابية
• جمال حسن سعيد، الكوميديان، همس لزميله بسرٍ، ثم قال له محذّراً: “خليهو سر بيني وبينك بس… وما تقولوا إلا فوق المسرح!”
وتلك المفارقة الطريفة تختصر حالاً مألوفاً في مهنتنا، مهنة الغابات؛ فهناك وقائع رسمية حدثت على ذمة موظفين محترمين جداً، لكنها لا تُروى إلا همساً أو في سياقها، لا بدافع الإخفاء، وإنما خوفاً من أن تُنتزع الحكاية من بيئتها فتبدو عبثية أو غير معقولة. لذلك ظلت كثير من طرائف الغابات حبيسة الونسات.
• ومن الطرائف التي أوردها أبو الغابات كامل شوقي في مذكراته عن خبير الغابات إبراهيم مالك — والد الزهاوي وزير حزب الأمة في حكومة الإنقاذ — وكان مسؤولاً عن غابات بنذقة، أنه عند مرور محافظ الغابات لتقييم الموسم الزراعي بعد نهاية الخريف، كان يشغل زائره بالإسهاب في الحديث عن اهتماماته الشخصية كلما اقتربوا من مناطق التشجير الفاشل، حتى يتجاوزوها دون توقف.
• ويروي كامل شوقي أيضاً أن محافظ غابات الاستوائية “فايدل هول” أراد ذات مرة تحريك أحد المناشير إلى منطقة أغزر شجراً، لكن العملية كانت تحتاج لدراسة جدوى تكلفتها تبلغ ألف جنيه، فقرر الرجل أن يخرج بنفسه راجلاً لحصر أشجار الفوبا التي تُصنع منها فلنكات السكة حديد، وقال إنه سيعود بعد أسبوع. مضى الأسبوع ولم يعد، فجاءت زوجته هلعة إلى كامل شوقي — وكان المسؤول في غيابه — فتحركت المديرية في جوبا وأرسلت طائرة من طراز “داف كانت تأتي من الخرطوم إلى جوبا مرة كل أسبوع. حلق الطيار فوق الغابة علّه يأنس ناراً أو أثراً يدل على المفقود، كما خرجت فرق من الباحثين المشاة يضربون الطبول لعل الرجل يهتدي إليهم أو يهتدون إليه. لكنه لم يظهر إلا بعد أسبوع آخر، وحين عاد قال ببساطة: “أنا خرجت راجلاً لمهمة مفتوحة في غابة شاسعة، ومن المحتمل أن أتأخر… فلِمَ الجزع؟
وحين علم مفتش المركز مستر “ديوك” بالحادثة — وكانت بينه وبين فايدل هول منافسة قديمة على قلب مس جريس التي فاز بها فايدل هول — كتب ساخراً في جريدته الأسبوعية:
“لقد ضلّ مفتش الغابات طريقه داخل غابته، وعليه نقرر وضع إشارات داخل غاباته توضح له الطريق إلى منزله حتى لا يتوه مرة أخرى.
• ومن طرائف الميدان ما رواه كامل شوقي أنه كان متجولاً مع حارس الغابات “الكمر” في غابة لونى بالفونج، فوجدا رجلاً يرعى قطيعاً من الجمال داخل غابة السنط. صاح الكمر بالرجل وهو فوق جمله: “أخرج جمالك وتعال معنا!”
فما كان من صاحب الجمال إلا أن عاجله بكرباجه من فوق ظهر الجمل. عندها قال كامل شوقي للكمر وهو ضاحكاً: هلا أنزلته إلى الأرض أولاً؟ فموازين القوة، كما يقال، لم تكن في صالح الحراس منذ ذلك الوقت.
• وفي مرة أخرى ضبط كامل شوقي والكمر رجلاً يحتطب داخل غابة محجوزة، وأثناء محاولة القبض عليه أخرج الرجل من جيبه “طرادة” ـ خمسةً وعشرين قرشاً ـ ومدها رشوةً لكامل شوقي ثم فرّ هارباً. وكأن أبا العلاء المعري كان يصف المشهد حين قال:
من ساءه سببٌ أو هاله عجبٌ … فلي ثمانون عاماً لا أرى عجبا
الدهر كالدهر والأيام واحدةٌ … والناس كالناس والدنيا لمن غلبا
فالحال — على ما يبدو — ظل هو الحال منذ زمن كامل شوقي من حوالي ثمانين عاما وحتى اليوم.
• ومن مفارقات الغابات أن حسن معنى، أحد أقدر قدامى رجال الغابات، اتُّهم يوماً بأنه بالغ في شلخ وتخفيف غابة لونى بالفونج أثناء الحرب العالمية الثانية لإنتاج أوتاد خيام جيوش الحلفاء في الشرق الأوسط. لكن السنوات أثبتت لاحقاً أن ما ظنه الناس خطأً كان هو العلاج التربوي الصحيح للغابة، حتى صار أساساً لإدارتها بعد ذلك. وهكذا يحدث أحياناً أن يبدو الخبير مخطئاً… فقط لأنه سبق زمنه بخطوتين.
• ومن الطريف — والمعبّر في الوقت نفسه — أنه حينما كنا في مركز أيحاث الغابات أقام المركز “مسوّر” بجوار إحدى الغابات لمراقبة معدلات التجدد الطبيعي للأشجار داخل المسور وخارجه. وظل حارس المسور سنوات يتقاضى راتباً لحراسة السلك الشايك والأرض الفضاء داخله دون أن يفهم الغاية من المشروع أصلاً. وعندما انتهى المشروع وانقطع المرتب، جاء محتجاً وهو يردد: “يا جماعة… الموضوع هو أصلا لعبة في لعبة، رجعوا المرتب في محله!
• ضحكنا وقتها من العبارة، لكنها ربما كانت أدق تقرير إداري سمعناه؛ فحين تُوزَّع الأدوار دون أن يفهم الناس معناها، يتحول العمل إلى مجرد طقوس، ويصبح الأداء شكلياً، وتغيب الغاية التي تمنح العمل قيمته.
• وربما لذلك ظل السؤال قائماً: كم من الناس يتقاضون أجورهم آخر كل شهر وهم يظنون — في سرّهم — أن الحكاية كلها “لعبة في لعبة”؟








