مقالات

رسالة مفتوحة إلى معالي رئيس الوزراء/ الدكتور كامل إدريس بمناسبة اليوم العالمي للملكية الفكرية – 26 أبريل

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

رسالة مفتوحة إلى معالي رئيس الوزراء/ الدكتور كامل إدريس

بمناسبة اليوم العالمي للملكية الفكرية – 26 أبريل

سيدي رئيس الوزراء،

“وذو الشوقِ القديمِ وإنْ تعزّى. مَشُوقٌ حينَ يلقَى العاشِقينا”

هذا الشوق ليس حنيناً عادياً، بل هو قانون “الشغف المهني” الذي لا يكتمل إلا حين يجد مجاله التطبيقي. وهي المفارقة التي تتجلى في مسيرتكم الدولية السابقة كقائد للمنظمة العالمية للملكية الفكرية (WIPO) حيث تلتقي مع موقع مسؤوليكم الوطنية الحالية، لتتحول خبرتكم المتراكمة من “بروتوكولات ملكية فكرية دولية” إلى “أداة سيادية” لبناء اقتصاد الدولة.

ففي هذا الوقت الذي يواجه فيه السودان تحديات وجودية في موارده، سيادة رئيس الوزراء، تبرز فرصة حقيقية لتعويض الفاقد المادي عبر تحويل المعرفة إلى ثروة. فبناء اقتصاد قائم على المعرفة ليس ترفًا، بل هو أقصر طريق لرفع القيمة المضافة لصادراتنا بنسب قد تتجاوز 30% إلى 50% دون الحاجة إلى زيادة حجم الإنتاج.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى استراتيجية وطنية عاجلة للملكية الفكرية الزراعية، ترتكز على المسارات التالية:

أولاً: تفعيل “الحماية السيادية” للصادرات بحيث لا يغادر أي منتج سوداني (صمغ كردفان، سمسم القضارف، قطن جبال النوبة، ضان الحمر، الخ) دون “هوية قانونية” ملزمة.

إن تجارب دولية (مثل القهوة الإثيوبية) أثبتت أن تسجيل العلامات التجارية والمنشأ يمنح المنتج قوة تفاوضية ترفع دخل صغار المنتجين مباشرة.

المطلوب هنا: تفعيل دور “مسجل عام الملكية الفكرية” وربطه بوزارة التجارة لمنع تصدير أي منتج خام لا يحمل علامة جودة أو منشأ وطنية محمية.

ثانياً: اعتماد تقنيات التتبع الرقمي (Blockchain) لضمان شفافية سلسلة الإمداد. هذا ليس مجرد تطور تقني، بل هو “شهادة أمان” للمستهلك العالمي تضمن أن “الصمغ” أو “السمسم” خرج من يد المزارع او المنتج السوداني مباشرة، مما يغلق منافذ التهريب التي تستنزف نحو 40% من عائدات الصمغ العربي سنوياً عبر دول الجوار.

ثالثاً: إنشاء مراكز ابتكار في مناطق الإنتاج لتوثيق “المعارف التقليدية” وحمايتها من “القرصنة البيولوجية”. يجب أن ننتقل من عقلية “المورد للمادة الخام” إلى “المالك للسر التجاري”، وبناء علامات تجارية جماعية للمجمعات الزراعية تمكنها من الولوج المباشر للأسواق العالمية.

رابعاً: يُعد الصمغ العربي (صنف الهشاب) نموذجًا تطبيقيًا فوريًا يمكن البناء عليه كأولوية قصوى. ويمكن أن تكون نقطة الانطلاق عبر تسجيله عالميًا تحت اسم “صمغ كردفان”، وهو الاسم المعروف به تاريخيًا في سجلات التجارة العالمية منذ القرن التاسع عشر كعلامة جودة تجارية، مما يرسخ هويته السودانية ويؤكد أصله الجغرافي في الأسواق العالمية.

وبذلك يتحول من مجرد سلعة خام إلى منتج ذي قيمة وهوية وحقوق محمية، تُعزز مكانته التنافسية وتزيد من عوائده الاقتصادية.

التشريع: اعتماد المواصفة السودانية للصمغ العربي كمرجعية قانونية وحيدة للصادر.

مع فرض رسوم “حق ملكية فكرية” رمزية على العلامات التجارية العالمية التي تستخدم الصمغ السوداني دون الإشارة لمنشئه.

سيدي رئيس الوزراء،

إن الانتقال من إدارة الثروة بعقلية الفاقد —التي تستنزف الموارد كمواد خام وتسمح بتسرب قيمتها عبر مسارات غير رسمية— إلى اقتصاد يحمي الأصل، هو قرار سياسي سيادي بامتياز.. إننا لا نطالب بزيادة الإنتاج فحسب، بل بامتلاك “المعنى القانوني والاقتصادي” لهذا الإنتاج.

هي لحظة الانتقال من “الشوق” إلى “الإنجاز”، ومن المادة الخام إلى السيادة الاقتصادية المعرفية. السودان اليوم لا يحتاج فقط لموارد جديدة، بل يحتاج لحماية قيمة ما يملك.

مع خالص التقدير،

مواطن يتطلع إلى سودانٍ يحمي أصوله.. ليحفظ مستقبله.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى