مقالات

تحولات الحماية الدستورية للغابات: من المورد الاقتصادي إلى النظام الإيكولوجي المتكامل

بفلم : د. عبد العظيم ميرغني

تحولات الحماية الدستورية للغابات: من المورد الاقتصادي إلى النظام الإيكولوجي المتكامل

هذه قراءة في تحولات حماية الغابات في دساتير العالم:

• في بدايات الفكر الدستوري لم تكن الغابات حاضرة ضمن النصوص الدستورية، إذ جرى التعامل معها باعتبارها مجرد مخزون من الخشب يُدار عبر القوانين العادية، ويُنظر إليها كسلعة اقتصادية قابلة للاستغلال.

• غير أن هذا التصور بدأ يتطور تدريجياً، حتى أصبحت الغابات اليوم جزءاً من البناء الدستوري ذاته في العديد من الدول.

• في المرحلة الأولى، برز مفهوم التراث الوطني، حيث اعتُبرت الغابة أصلاً سيادياً مملوكاً للأمة عبر الأجيال، لا يجوز التفريط فيه أو التصرف فيه بما يضر بحقوق الأجيال القادمة. كما في البرازيل حيث اعتبرت غابات الأمازون جزءاً من التراث الوطني الذي لا يخضع للاستغلال إلا وفق ضوابط تضمن استدامته وحمايته.

• ثم تطورت الفلسفة القانونية نحو مفهوم الاستخدام الرشيد، القائم على تحقيق أكبر منفعة ممكنة لأطول فترة زمنية، من خلال الموازنة بين الاستغلال الاقتصادي للغابة وبين قدرتها الطبيعية على التجدد والاستمرار.

• ومع تعمق الوعي البيئي، ظهر مفهوم النظم البيئية (Biomes)، الذي نقل مركز الاهتمام من الشجرة كعنصر منفرد إلى النظام الحيوي المتكامل بمكوناته النباتية والحيوانية والتفاعلية.

• وفي مرحلة أكثر تقدماً، تبنت بعض الدساتير مبدأ القيود الكمية الملزمة، كما في دستور بوتان الذي أقر التزاماً دستورياً بالحفاظ على غطاء غابي لا يقل عن 60% من مساحة الدولة.

• أما التحول الأعمق، فقد تمثل في الاعتراف بالحقوق البيئية والطبيعة للغابة، بوصفها ذات قيمة قانونية مستقلة، بما يتيح إمكانية التقاضي دفاعاً عنها دون اشتراط إثبات ضرر شخصي مباشر.

• وفي جانب الإدارة، برز مبدأ الاختصاص المشترك، حيث تتولى الدولة وضع السياسات العامة، بينما تتولى الوحدات الإقليمية عمليات التنفيذ، بما يحقق توازناً بين السيادة الوطنية وخصوصية الواقع المحلي.

• وفي هذا السياق، ظهرت نماذج تشريعية أخرى أكثر شمولية، تنظر إلى الغابة كنظام بيئي متكامل، مع الاعتراف بدور المجتمعات المحلية وحقوقها التقليدية، بما يحولها من متلقٍ للسياسات إلى شريك أساسي في الحماية والإدارة.

• أما على صعيد التجربة السودانية، فقد عكست صورة متدرجة للتطور العالمي.

• ففي دستور 1956 غابت الإشارة الدستورية إلى الغابات، واعتمدت إدارتها على القوانين الفنية المتخصصة.

• ثم جاء دستور 1998 ليقر مبدأ الاختصاص المشترك بين المركز والولايات في إدارة الموارد، دون توسع كافٍ في مسألة المشاركة المجتمعية.

• وفي المقابل، مثّل دستور 2005 نقلة نوعية، إذ نص صراحة على حماية البيئة والموارد الطبيعية وربطها بمبدأ التنمية المستدامة.

• ومع ذلك، فإن التحدي الأساسي في السودان—كما في العديد من الدول—لا يكمن في النصوص الدستورية ذاتها، بل في مستوى التطبيق العملي.

• فبينما تطورت الإطارات الدستورية لتواكب المفاهيم البيئية الحديثة، لا تزال الممارسة تواجه تحديات تتعلق بتداخل الصلاحيات وضعف آليات التنفيذ.

• خلاصة القول، لم تعد الغابة في الفكر الدستوري المعاصر مجرد مورد طبيعي، بل أصبحت تراثاً سيادياً، وحقاً بيئياً، ونظاماً حيوياً متكاملاً.

تحياتي وتقديري العميق

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى