مقالات

في حضرة الغياب: حين ارتحل الخليفة الطيب الشيخ الجد إلى مقام البقاء

بقلم :  د. الشاذلي عبداللطيف

في حضرة الغياب: حين ارتحل الخليفة الطيب الشيخ الجد إلى مقام البقاء

الحمد لله الذي جعل لاوليائه سر القرب وخصهم بمعاني الحضور والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باب الوصول ودليل السالكين

اما بعد

فان الراحلين الى الله ليسوا سواء فمنهم من يغيب اثره ومنهم من يفيض حضوره بعد الغياب ومن هذا الصنف كان الخليفة الطيب الشيخ الجد الذي لم يكن رجلا في الناس فحسب بل كان حالا يشهد ونورا يلمس ومعنى يتجاوز حدود العبارة

لم يكن حديثه حديث وفاة بل حديث انتقال انتقال من عالم الشهادة الى بساط المشاهدة ومن ضيق الحس الى سعة المعنى فقد عاش رضي الله عنه على قدم اهل الحال لا اهل المقال وسار في الطريق بذوق صادق لا بدعوى تقال صفا قلبه حتى صار مرآة يتجلى فيها نور الحق وسكنت نفسه حتى صارت محلا للسكينة والطمأنينة

في مسيد ام ضوا بان لم يكن القران حروفا تتلى فحسب بل انفاسا تزكى وقلوبا تربى هناك حيث تتنزل السكينة ويتوارث الناس سر القران قبل الفاظه كان الشيخ قائما على هذا الارث حارسا لمعناه باعثا له في النفوس فكان التعليم عنده تربية والحفظ تزكية والسلوك طريقا الى الله

اتصف بتواضع العارفين لا تواضع المتصنعين اذ شهد فقره الى الله في كل حال فهانت عليه نفسه وعظم عنده قدر الخلق يخدم الناس بلا من ويسعى في حوائجهم بلا كلل لانه يرى في خدمتهم بابا الى رضا الله وكان كرمه فيض حال لا مجرد بذل اذ لا يرى لنفسه ملكا بل يعتبر نفسه اداة لجريان الخير

وفي اصلاح ذات البين كان قلبا جامعا اذا حضرت الخصومات هدأت واذا تكلم سكنت النفوس لان كلمته كانت خارجة من صدق لا من هوى جمع بين لين الجانب وثبات الموقف فكان رحيما حازما قريبا مهيبا

اما نظره الى الوطن فكان نظر بصيرة لا مجرد رؤية يدعو الى الجمع ويحذر من الفرقة ويستشعر الاخطار قبل وقوعها لم يكن ذلك طلبا لسلطان بل غيرة على امة رأى فيها امانة يجب حفظها

وقد تقدم به العمر لكن روحه بقيت فتية لان اهل الله لا تقاس اعمارهم بالسنين بل بما يفتح الله عليهم من تجليات ومعان

فلما اراد الله ان يرفعه اليه لم يكن ذلك فقدا بل رجوعا الى الاصل انتقالا من دار المجاهدة الى دار المشاهدة ومن علم اليقين الى عين اليقين ومن عين اليقين الى حق اليقين

فيا من تبكيه انما الفقد في حجابك لا في مقامه فان القوم اذا ماتوا قامت حياتهم الحقيقية وان غاب عن العيون فقد حضر في القلوب وفي ميادين الذكر وبين المحبين

ترك اثرا لا يمحى في قلب اهتدى ونفس تزكت وطريق بقي سالكوه على العهد

وما مثله يرثى وانما يشهد له وما مثله يفقد وانما يطلب في حضرة القرب

سلام عليه يوم سلك ويوم وصل ويوم يبعث حيا في ارواح المحبين

وانا لله وانا اليه راجعون

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى