
صفحات من تاريخ حلتنا – (3)
• في عام 1936م، انعقد الاجتماع التأسيسي الذي جمع بين الشيخ عثمان صالح ومشايخ قرية الكنوز.
• بحضور السيد عبد الرحمن المهدي والسيد عبد الله الفاضل، المسؤول الإداري والمالي لدائرة المهدي آنذاك.
• أفضى الاجتماع إلى اتفاق شراكة بين شركة عثمان صالح وأولاده — بصفتها صاحبة الترخيص — وأهالي الكنوز — بوصفهم ملاك الأرض — على مساحة أربعة آلاف فدان، ولمدة خمسة عشر عاماً قابلة للتجديد.
• وبموجب هذا الاتفاق، تولّت الشركة مسؤولية تهيئة المشروع من الأساس، بما في ذلك تسوية الأرض، وشق الترع والقنوات، وإقامة المنشآت الأساسية، واستجلاب الطلمبات، إضافة إلى توفير التمويل اللازم.
• في المقابل، التزم نحو 250 مزارعاً من أهالي الكنوز بتنفيذ العمليات الزراعية.
• وقد تقرر أن يعمل المشروع وفق السياسات واللوائح الصادرة عن وزارة الزراعة، وعلى غرار النظام المعمول به في مشروع الجزيرة.
• وفي تنظيم دقيق لعلاقات الإنتاج، تقاسمت الشركة والمزارعون العائد، إذ تحصل الشركة على 60% من عائد محصول القطن — تشمل 20% كمصروفات إدارية وترحيل وحليج وتسويق — بينما ينال المزارعون 40%.
• في حين تُركت محاصيل الذرة واللوبيا خالصة للمزارعين، بما يعزز من أمنهم الغذائي واستقلالهم النسبي.
• وإلى جانب هذا الإطار الرسمي، نشأ اتفاق غير مكتوب بين الشركة وشيوخ الكنوز، التزمت بموجبه الشركة ببناء مسجد ومدرسة وشفخانة وكنتين لتوفير السلع الأساسية.
• وقد اعتمد المزارعون على نظام “الجرورة” للحصول على احتياجاتهم، حيث تُسوى الحسابات في نهاية الموسم.
• ورغم أن بعض المواسم شهدت تجاوز المسحوبات لمستحقات المزارعين، إلا أن روح الشراكة والعلاقات الطيبة كانت كفيلة بترحيل هذه الديون ومعالجتها لاحقاً، بل وتقديم سلفيات إضافية عند الطوارئ والمناسبات.
• ومع نجاح تجربة الكنوز، شهدت المنطقة توسعاً في المشاريع الزراعية المشابهة على ضفتي النيل الأبيض، من شمال كوستي إلى الدويم وحتى الجمالاب جنوب القطينة.
• ومن أبرز هذه المشاريع مشروع يونس أحمد وعبد المنعم محمد بمنطقة أبي هندي شمال الكنوزً، ومشروع خلف الله خالد بمنطقة حسن علوب جنوبها.
• وقد اعتمدت هذه المشاريع على نظام المضارب الفيضية، مستفيدة من مياه خزان جبل أولياء خلال فترة التخزين، الأمر الذي جعل لبرنامج تشغيل الخزان أثراً حاسماً في النظام الزراعي والتركيبة المحصولية.
• وفي هذا السياق، اتبع مشروع الكنوز دورة زراعية رباعية على مساحة ألف فدان، تزرع فيها محاصيل القطن والذرة واللوبيا، مع ترك مساحة مماثلة بوراً.
• كما تميز المشروع بنظام إداري خاص، إذ تولت شركة عثمان صالح إدارته بمشاركة ممثلين عن المزارعين، مع وجود شبه دائم للشيخ عثمان صالح وأبنائه للإشراف المباشر، إلى جانب الرقابة التي كانت تمارسها السلطات الزراعية المحلية.
• وقد أسهم هذا التكامل في تحقيق نجاح ملحوظ للمشروع.
• استمرت هذه الشراكة حتى عام 1950م، ثم جُددت حتى عام 1966م، حين قررت الشركة عدم تجديد الاتفاق.
• ولم يكن ذلك عزوفاً عن الشراكة في حد ذاتها، رغم تراجع تجارة القطن العالمية وتدني إنتاجية المشروع مقارنة بمشاريع النيل الأزرق.
• وإنما جاء القرار في سياق مناخ سياسي متوتر، تصاعدت فيه دعوات “الإصلاح الزراعي” عقب ثورة أكتوبر، وتزايدت فيه شعارات التأميم.
• وبحسب شروط الترخيص، كان يتوجب على الشركة إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل المشروع.
• غير أن الشركة اختارت طريقاً مختلفاً، إذ أعلنت تنازلها الكامل عن أصول المشروع — من طلمبات ومنشآت ومبانٍ — لصالح المزارعين.
• كما اقترحت على الحكومة توفير التمويل اللازم لتمكينهم من إدارة المشروع بأنفسهم.
• إلا أن وزير المالية آنذاك، الشريف حسين الهندي، اعتذر عن عدم قدرة الحكومة على التمويل، ناصحاً بالتمسك بالشركة.
• نتيجة لذلك، دخل المشروع في حالة توقف لعدة سنوات، كانت من أقسى الفترات على أهالي الكنوز، إذ اضطر كثير من الشباب إلى الهجرة بحثاً عن مصادر دخل.
• وهكذا انتهت واحدة من أبرز الشراكات الزراعية في المنطقة، بعد أن تركت آثاراً تنموية عميقة.
• وهكذا، تكشف تجربة الكنوز أن بعض ما رُفع من شعارات الإصلاح لم يكن بلا كلفة، إذ أُزيحت شراكةٌ منتجة دون أن يقوم مقامها بديلٌ قادر.
المصدر: كتاب الكنوز (الماتوكية): الجذور – التاريخ والثقافة، د. عبد العظيم ميرغني إبراهيم
تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتدبري العميق.





