مقالات

يوم القرية … صفحات من تاريخ حلتنا

بقلم : د. عبد العظيم ميرغني

يوم القرية… صفحات من تاريخ حلتنا

• في عام 1942م، وأمام نادي الخريجين بأم درمان، كان المشهد مختلفاً.

• لم يكن تجمعاً عادياً، بل بداية خطوة جديدة في مسار الحركة الوطنية، عقب تقديم المؤتمر لمذكرته الشهيرة.

• كانت المهمة واضحة: أول انفتاح منظم لمؤتمر الخريجين على الريف، فيما عُرف بـ”يوم القرية”.

• وكانت الوجهة: قرية “الكنوز” على النيل الأبيض.

• تحرك نحو ثلاثين شاباً من الخريجين، يتقدمهم أحمد خير، صاحب ومؤسس فكرة مؤتمر الخريجين، ومعه يحيى الفضلي (دينمو الحركة الوطنية)، وخضر حمد (عضو أول مجلس سيادة)، وأحمد محمد يسن (أول رئيس لمجلس الشيوخ)، إلى جانب أمين التوم، وميرغني عثمان صالح، وأستاذ كلية الأشعة أحمد إبراهيم، زفنيي الكلية، وفرق مسرح المؤتمر، وآخرين.

• صعد الجميع إلى العربات، وكان أول ما صدحوا به نشيد المؤتمر “للعلا”، في أول أداء جماعي له بتلك القوة والحماسة: للعلا للعلا… قد عقدنا العزم أن يحيا السودان لنا.

• وقبل انطلاقهم، وقف إبراهيم أحمد، رئيس المؤتمر آنذاك، مخاطباً الركب بنبرة واعية:

“أنتم ذاهبون إلى النيل الأبيض، إلى مناطق حساسة، إلى أرض الأنصار، فزنوا كلماتكم بميزان دقيق، وابتعدوا عن الإثارة، حتى تبلغوا رسالتكم بهدوء واحترام لطبيعة المنطقة وثورية أهلها”.

• واصل الركب طريقه حتى وصل إلى “الكنوز”، حيث كان في استقبالهم اهالي القرية وفي مقدمتهم الشيخ عثمان صالح، صاحب المشروع الزراعي بالقرية، والذي أسكن بعض أفراد أسرته فيها.

• وهناك، أُقيم مهرجان سياسي كبير على مدى يومين كاملين، ألقيت فيه الخطب، وتحدث الخريجون عن السودان، والاستقلال، والحرية، وخروج المستعمر.

• لم يتركوا معنى من معاني التحرر إلا وطرقوه، فقد كانت الرحلة بحق فتحاً ونصراً وقد كُتب لها نجاحاً كبيراً.

• ومنذ تلك اللحظة، أخذ إقليم بحر أبيض يردد ما قيل وما أُنشد، وانتشرت أصداء الرحلة في القرى والفيافي.

• لم تكن رحلة “الكنوز” مجرد زيارة، بل كانت أول تحرك سياسي وطني جاد لمؤتمر الخريجين في الريف.

• فقد أيقظت الوعي، وجعلت المؤتمر على كل الألسنة، وجعلت نشيده يتردد في الأرجاء.

• وعند عودة الوفد إلى الخرطوم، كان وقع الرحلة عظيماً في نفوس الخريجين، كما وصلت أخبارها مفصلة إلى السكرتير الإداري والمخابرات في حكومة السودان.

• ولم تمضِ أيام حتى تم نقل بعض المشاركين بشكل مفاجئ إلى جوبا، حيث قضوا سنوات، في ما بدا وكأنه نفي غير معلن عن الخرطوم، كما نُقل آخرون من زملائهم أيضاً.

• وفي تلك المناسبة، ألقى الأستاذ أمين التوم قصيدة وطنية في شكل حوار مع محبوبته “أم زين”، التي عاتبته وعاتبت الخريجين، متهمة إياهم بالتقصير في نشر التعليم بين أبناء السودان.

• في نقد صريح يعكس وعياً مبكراً بأهمية التعليم في مشروع النهضة.

• وكان من أبرز نتائج تلك الزيارة انضمام جميع سكان منطقة “الكنوز” إلى عضوية المؤتمر، لتصبح أول قرية سودانية تنضم بالكامل إلى المؤتمر العام.

• حيث كانت الاشتراكات تُحصَّل سنوياً من عائد حواشات المشروع كما ظل أهل القرية على تواصل دائم مع جريدة المؤتمر التي كانت تصلهم بانتظام عبر الباخرة النيلية.

• وقد شهدت الزيارة أيضاً افتتاح خلوة نموذجية لتحفيظ القرآن الكريم باسم المؤتمر، أنشأها الشيخ عثمان صالح.

• كما أُنشئ مسجد وشفخانة، وأسّس أبناء الشيخ نادي رياضي ثقافي، نادي المريخ، الذي كان من أوائل الأندية في المنطقة.

• ورغم ما عانته “الكنوز” من ضعف في الخدمات خلال فترة الحكم الاستعماري، إلا أن الوعي الذي أحدثته تلك الزيارة ترك أثراً عميقاً.

• فقد ترسخت قيمة التعليم في وجدان الأهالي، وحرصوا على تعليم أبنائهم وبناتهم على حد سواء، في وقت كان تعليم البنات نادراً في معظم الريف السوداني.

• وبالرغم من شظف العيش، كانت الأسر ترسل أبناءها إلى المدن المجاورة لمواصلة تعليمهم، إيماناً راسخاً بأن المستقبل لا يُبنى إلا بالعلم.

• لقد كانت تلك الرحلة بذرة وعي، ونقطة تحول، لا في تاريخ “الكنوز” وحدها، بل في علاقة الحركة الوطنية بالريف السوداني.

المصادر: محجوب باشري – رواد الفكر السوداني؛ مذكرات أحمد محمد يسن؛ وأمين التوم في – ذكريات ومواقف في طريق الحركة الوطنية السودانية

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى