مقالات

الذهب والغابات: معركة الموارد الصامتة في السودان

بقلم  :  د. عبد العظيم ميرغني

الذهب والغابات: معركة الموارد الصامتة في السودان

• قبل سنوات واجه قطاع الغابات في السودان اختباراً مؤسسياً صعباً كشف طبيعة العلاقة المعقدة بين الموارد الطبيعية ومستويات الحكم المختلفة.

• .فقد بدأت بعض الولايات تنظر إلى الغابات الاتحادية على أراضيها بوصفها مورداً مالياً خالصاً.

• ففرضت إحدى الولايات رسماً قدره 20%على هذه الغابات، وتبعتها أخرى بمسمى أجرة أرض.

• وسعت ولاية ثالثة إلى ضم الغابات الاتحادية إليها، ونقل إدارتها وأصولها إلى خزائنها.

• وأتبعتها ولاية رابعة بمشروع قانون يجعل تبعية الغابات الاتحادية لوزارة المالية الولائية لا لوزارة الزراعة، باعتبارها مورداً مالياً صرفاً.

• كاد ذلك المسار أن يفتح باباً واسعاً لتفتيت الإدارة القومية للغابات، لولا أن تداركناه بجهود مؤسسية أعادت التوازن بين مستويات الحكم المختلفة.

• كان الدرس واضحاً: حين تُختزل الموارد الطبيعية إلى مجرد مورد مالي، تبدأ الصراعات حول من يملكها ومن يديرها.

• ذلك الدرس لا يخص الغابات وحدها، بل يمتد إلى موارد أخرى في البلاد.

• واليوم يطل علينا مشهد شبيه من زاوية مختلفة، هذه المرة في قطاع التعدين.

• قد تكررت في الأيام الماضية أخبار عن لقاءات جمعت وزارة المعادن بنُظّار قبائل من شرق وغرب السودان لمناقشة قضايا التعدين في مناطق نظاراتهم.

• تكشف هذه الأخبار عن ظاهرة آخذة في الاتساع: دخول الإدارات الأهلية طرفاً مباشراً في إدارة موارد الذهب.

• ليس هذا التحول وليد الصدفة. فمعظم مناطق التعدين تقع في أراضٍ ذات ملكية عرفية، بينما يظل حضور الدولة في أطراف البلاد محدوداً.

• ومع الطفرة الكبيرة في التعدين الأهلي خلال العقد الماضي، تدفقت أعداد هائلة من المعدّنين إلى تلك المناطق.

• عندها وجد المجتمع المحلي نفسه في قلب معادلة جديدة، وأصبحت الإدارة الأهلية — بحكم موقعها الاجتماعي — وسيطاً بين الأرض والناس والدولة.

• لكن الذهب، منذ أن أصبح المورد الاقتصادي الأبرز بعد انفصال جنوب السودان، لم يعد مجرد معدن يُستخرج من باطن الأرض.

• لقد تحول إلى مركز تتقاطع عنده المصالح الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

• ففي مواقع التعدين تتشكل شبكات جديدة من النفوذ، ويتحول التفاوض حول الخدمات والتنمية المحلية إلى جزء من معادلة السلطة على الأرض.

• هنا تكمن المفارقة. فدخول الإدارة الأهلية في هذا المجال يمكن أن يسهم في حفظ الاستقرار الاجتماعي وتنظيم العلاقة بين المعدّنين والمجتمع المحلي.

• لكنه، إذا تُرك بلا إطار مؤسسي واضح، قد يحمل في طياته مخاطر أخرى: تسييس الموارد، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتعميق النزاعات حول الأرض والهوية.

• تجربة الغابات تهمس لنا بتحذير مبكر.

• فقد أظهرت تلك التجربة أن الموارد الطبيعية عندما تتحول إلى ساحة تنازع بين مستويات السلطة المختلفة، فإن أول ما يتآكل هو القدرة الوطنية على إدارتها إدارة متماسكة.

• الحل، إذن، ليس في إقصاء الإدارة الأهلية ولا في تركها تعمل خارج إطار الدولة.

• الحل في بناء شراكة مؤسسية واضحة المعالم. تبقى الدولة فيها صاحبة الولاية القانونية على الموارد، بينما تضطلع الإدارة الأهلية بدورها الطبيعي في حفظ السلم الاجتماعي وتمثيل مصالح المجتمعات المحلية.

• وفي مثل هذه الشراكة يمكن للذهب أن يصبح جسراً بين الدولة والمجتمع، لا ساحة صراع بينهما.

• عندها فقط تتحول الموارد الطبيعية — سواء كانت متجددة كالغابات أو غير متجددة كالمعادن — من مصدر للتنافس حول السلطة إلى رافعة للتنمية والاستقرار.

• في النهاية، الذهب وكل موارد باطن الأرض، والغابات وكل موارد ظاهر الأرض، ليستا مجرد موارد تُستخرج وتُستهلك، بل مرايا لعلاقة الإنسان بأرضه ومجتمعه.

• حين تُدار بالشراكة والاحترام المتبادل، تتحول الموارد إلى قوة موحدة تنمي ولا تفرق، تثري الدولة والمجتمع معاً.

• أما إذا تُركت بلا إطار، فإنها تتحول سريعاً من نعمةٍ للتنمية إلى شرارةٍ للصراع، ولا تربح فيها في النهاية إلا الفوضى.

تضرعاتي بحسن الخلاص؛ وتقديري العميق.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى