مقالات

السياسات السامة

بقلم : د. محمد صلاح علي الفكي

 

السياسات السامة

ما هي السياسات السامة؟

هي منظومات قرارات عامة تُصاغ بمعزل عن التحليل العلمي أو تُكرر نماذج فاشلة دون تقييم، فتتحول من أدوات تنمية إلى مصادر مزمنة لاستنزاف الموارد. سمتها أنها تستمر رغم نتائجها المؤكدة، فتخلق اختلالات هيكلية واقتصادية مزمنة بسبب غياب آليات التصحيح والتعلم المؤسسي. تُدار بردود الفعل لا بالرؤية، وبالاجتهادات لا بالبيانات، وبمركزية تُضعف الكفاءة وتُنتج تشوهات في الاقتصاد والمجتمع.

كيف تفتك بالأمة؟

تنتشر كالوباء في جسد الدولة:

· تُصيب الاقتصاد بالهشاشة والعجز الهيكلي

· تضرب المجتمع بالبطالة والهجرة القسرية

· تشل المؤسسات بضعف الكفاءة والترهل

· تقوض الثقة في جدوى الإصلاح

مثل وباء يضعف أجهزة الجسد تدريجيًا، تعمل السياسات السامة على إضعاف ركائز الدولة واحدة تلو الأخرى. تعمل ببطء وبأثر تراكمي عميق، حتى تبدو الأزمات قدراً محتوماً بينما هي نتاج تراكم قرارات غير رشيدة. الأخطر أنها تُنتج ثقافة تتعايش مع الفشل.

الدوران حول التجارب الفاشلة

من أبرز مظاهرها الإصرار على إعادة إنتاج نماذج لم تنجح، دون مراجعة وتقييم مستمر. بدون هذه المراجعة، تتحول التجارب الفاشلة إلى ثقافة مؤسسية خاطئة، كما حدث في بعض الدول التي عالجت أزمات الطاقة بنفس الأساليب القديمة، فزاد استهلاك الموارد دون تحسين الأداء. في عالم اليوم تُبنى الاستراتيجيات على:

· التجارب الناجحة الموثقة

· مؤشرات الأداء وقياس الأثر

· أهداف التنمية المستدامة كإطار حاكم للتخطيط الوطني

أما التمسك بسياسات ثبت إخفاقها، فهو إصرار على علاج فاشل لمريض تتدهور حالته.

كيف تعيق التنمية المستدامة؟

تُنتج اختلالاً جغرافياً واقتصادياً عميقاً:

1. تركيز الفرص في نطاق ضيق: يؤدي إلى تكدس سكاني خانق وضغط على الخدمات.

2. تهميش أقاليم الإنتاج: بدلاً من بناء صناعات مرتبطة بالموارد الخام وجامعات إقليمية، مما يقطع سلاسل القيمة الوطنية.

3. إهدار الموارد: عبر نقل الخامات دون تصنيع، وضعف القيمة المضافة.

4. تعطيل الاستدامة: فتتسع الفجوات ويتآكل الاستقرار.

توصيات: نحو سياسات حيوية

1. الانتقال لسياسات مبنية على الأدلة (Evidence-Based Policy) بدلاً من ردود الفعل.

2. اعتماد أهداف التنمية المستدامة كإطار استراتيجي مع مؤشرات قياس واضحة.

3. إعادة توزيع التنمية جغرافياً وفق الميزات النسبية.

4. تفكيك المركزية المفرطة وتمكين الإدارة الإقليمية.

5. ترسيخ الحوكمة الرشيدة عبر الشفافية والمساءلة وتقييم الأثر.

6. بناء قدرات التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر.

7. إشراك المجتمع والقطاع الخاص كشركاء في التنمية.

من السياسات السامة إلى التنمية الحيوية

الأمم لا تنهار فجأة، بل تضعف تحت وطأة سياسات سامة تتكرر دون تصحيح. التحول المطلوب هو:

· من ردود الفعل إلى الرؤية الاستراتيجية

· من المركزية الخانقة إلى التنمية المتوازنة

· من هدر الموارد إلى تعظيم القيمة المضافة

· من الفشل المزمن إلى الاستدامة

التنمية ليست مشاريع متفرقة، بل منظومة متكاملة تنبض في كل إقليم. وحين تُبنى السياسات على الحوكمة الرشيدة والتعلم المؤسسي وصنع القرار المبني على الأدلة، تتحول السياسات من عبء إلى أداة نهضة مستدامة، بفضل التزام القيادات بالعلم والتخطيط والعدالة.

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى