مقالات

تغيّر المناخ: كيف يعيد تشكيل الحياة؟

بقلم : د. عبدالعظيم ميرغني

تغيّر المناخ: كيف يعيد تشكيل الحياة؟

“لقد زعمتْ أنّي تغيَّرتُ بعدها… ومَن ذا الذي يا عزُّ لا يتغيَّرُ؟”

كأن هذا البيت، الذي نظمه كُثيِّر عزة قبل أكثر من ألف عام، يختصر إحدى أعمق حقائق الوجود:

أن التغيّر ليس استثناءً، بل هو القاعدة. لا شيء في الكون يثبت على حال،

التغيّر هو الثابت الوحيد في هذه الحياة؛ والتبدّل سنّة كونية تسري على الأحياء والجمادات والمجتمعات على السواء.

غير أن لكل تغيّر ثمنًا وتبعات. فما ثمن تغيّر المناخ؟ وما الذي يمكن أن يفعله بحياتنا ومستقبلنا؟

للإجابة عن هذا السؤال، يكفي التأمل في قصة صغيرة بدأت في إنجلترا قبل أكثر من قرنين، مع بواكير الثورة الصناعية، لنفهم كيف يمكن لتغيّر البيئة أن يعيد تشكيل مصائر الكائنات الحية.

قبل الثورة الصناعية في إنجلترا، كانت الفراشات الفاتحة اللون هي الأكثر شيوعًا؛ لأنها كانت تستقر على جذوع الأشجار ذات اللون الفاتح، فتندمج مع محيطها وتحتمي من أعين الطيور المفترسة.

لكن مع قيام الثورة الصناعية، غطّى دخان المصانع وسخامها جذوع الأشجار، فتحوّل لونها من الفاتح إلى الداكن.

عندها فقدت الفراشات الفاتحة قدرتها على التمويه، فأصبحت أكثر عرضة للافتراس، بينما حظيت الفراشات الداكنة بفرصة أفضل للبقاء والتكاثر.

وهكذا أعادت الظروف الجديدة تشكيل قواعد البقاء وفرص الحياة نفسها، ومع مرور الزمن أصبحت الفراشات الداكنة هي الأكثر شيوعًا.

إذا كانت الثورة الصناعية قد غيّرت بيئة محلية فأعادت تشكيل مصير نوع من الفراشات، فإن النشاط البشري اليوم يغيّر مناخ الكوكب بأسره.

هذه الحكاية ليست عن الفراشات وحدها، بل تتجاوز عالم الطبيعة الصغيرة لتلامس الإنسان نفسه، وتصل في النهاية إلينا نحن أيضًا.

فإذا كانت كائنات صغيرة قد تبدل مصيرها بسبب تغيّر لون جذوع الأشجار، فإن الإنسان يواجه اليوم تغيرًا أشمل وأوسع نطاقًا، بفعل نشاطه الذي لم يعد يبدّل بيئات محلية فحسب، بل أصبح يؤثر في مناخ الأرض كله، بما يحمله ذلك من آثار على الغذاء والمياه والصحة والاستقرار.

إن تغيّر المناخ يعيد اليوم صياغة قواعد الحياة. فموجات الحر أشد قسوة، والجفاف أطول أمدًا، والفيضانات أكثر تكرارًا، والحرائق أوسع انتشارًا، والمواسم لم تعد كما عهدناها.

ونرى آثار ذلك في منطقتنا أيضًا، حيث تتكرر موجات الجفاف والفيضانات وتتراجع إنتاجية بعض المحاصيل الزراعية.

وتتجاوز هذه الآثار البيئة لتطال الزراعة والأمن الغذائي والصحة العامة وسبل العيش، بل وحتى أنماط الهجرة والاستقرار البشري.

ومن يظن أن تغيّر البيئة يحدث بعيدًا عن الإنسان، فلينظر إلى تلك الفراشات الصغيرة التي غيّرت الظروف مصيرها. فالطبيعة لا تتوقف عن إرسال رسائلها الواضحة: حين تتغيّر البيئة، تتغيّر فرص البقاء.

لكن ثمة فرقًا جوهريًا بيننا وبين تلك الكائنات؛ فنحن نملك القدرة على الفهم والاستبصار واتخاذ القرار.

وما يزال بإمكاننا تقليل التلوث، وترشيد استهلاك الموارد، وحماية النظم البيئية، واختيار مسار أكثر أمانًا للأجيال القادمة.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يتغيّر المناخ؟ فالتغيّر واقع لا مفر منه، لكن ما يزال بأيدينا أن نختار: هل نكون شركاء في صناعة المستقبل، أم ضحايا لظروف لم نستعد لها؟

فهل نتحرّك اليوم لنصنع مستقبلنا، أم ننتظر حتى يفرض علينا التغيّر شروطه غدًا؟

leader

صحيفة الكترونية تهتم بالشأن السوداني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى