
مائة عام من الحجز… يونيو 1926 – يونيو 2026
قصة حجز الغابات السودانية: لماذا أخفقنا في بلوغ الهدف؟
حين كتب غابرييل غارسيا ماركيز روايته الشهيرة “مائة عام من العزلة”، لم يكن يتحدث عن عزلة المكان فحسب، بل عن المجتمعات التي تعجز عن التعلم من تاريخها.
وبعد مرور قرن كامل على بدء تجربة حجز الغابات في السودان، تبدو هذه الاستعارة مناسبة لقراءة تجربة وطنية طويلة لم تنجح بعد في تحقيق أهدافها الكبرى، رغم وضوح رؤيتها وتراكم خبراتها.
بدأ حجز الغابات في السودان في 15 يونيو 1926، عقب صدور قانون تنظيم تسوية وتسجيل الأراضي لسنة 1925، وذلك بإعلان غابة لكاداوية بمديرية النيل الأبيض آنذاك كأول غابة محجوزة، وفقاً للغازيتة رقم (476).
ومنذ ذلك التاريخ، شكّل الحجز الأداة القانونية الرئيسة لحماية الموارد الغابية وتأمين استدامتها.
فالحجز، وفق قانون الغابات، هو إعلان منطقة كغابة محجوزة، سواء كانت مغطاة بالأشجار أو مخصصة للتشجير، بهدف تنظيم استغلالها وإعادة غرسها، بما يسهم في توفير السلع والخدمات وحماية البيئة ومكافحة الزحف الصحراوي.
كما تكتسب سياسات الحجز أهميتها من طبيعة العمل الغابي نفسه بوصفه نشاطاً طويل المدى؛ فالأشجار تحتاج إلى عقود لتكمل دورتها الإنتاجية، ولا يمكن ضمان استدامة إدارتها واستثمارها ما لم تُؤمَّن الأرض قانونياً طوال تلك الفترة.
واستناداً إلى طبيعة السودان بوصفه بلداً جاف المناخ تتجاوز فيه معدلات إزالة الغابات والأشجار معدلات تجددها الطبيعية، استهدفت السياسة القومية للغابات حجز ما يعادل 20% من مساحة البلاد، أي نحو 38 مليون هكتار.
غير أنه، وبعد مائة عام من انطلاق هذه التجربة، لا تتجاوز المساحات المحجوزة فعلياً 12.3 مليون هكتار، أي نحو 6% فقط من المساحة الجغرافية للبلاد، وهو ما يمثل أقل من ثلث الهدف الاستراتيجي المعلن.
وبعبارة أخرى، فقد أخفق السودان خلال قرن كامل في تحقيق ما يقارب 68% من الهدف الذي وضعه لنفسه.
وتكشف هذه الفجوة بين المستهدف والمتحقق عن محدودية تنفيذ سياسات الحجز، نتيجة تداخل عوامل تاريخية ومؤسسية واجتماعية متعددة تستوجب مراجعة جادة لأسباب التعثر.
في مقدمة هذه العوامل يأتي تعقيد نظام الحجز نفسه، إذ يمر بما لا يقل عن أربع عشرة مرحلة إجرائية قد تمتد لسنوات طويلة، بما يرفع كلفة التنفيذ ويضعف جاذبيته المؤسسية.
كما شكّلت الأعباء المالية المرتبطة بإجراءات تسجيل الأراضي عائقاً إضافياً، الأمر الذي أدى إلى توقف عمليات الحجز فعلياً منذ عام 1967 وحتى عام 1999، حين أسهم خفض رسوم تسجيل الأراضي الخاصة بالغابات المحجوزة من 500 دينار للفدان إلى خمسة دنانير في إعادة تنشيط العملية.
غير أن هذه المعالجة الإجرائية ظلت محدودة الأثر في ظل استمرار النزاعات حول الأراضي وضعف الوعي البيئي، وهما عاملان أسهما في إضعاف فعالية التنفيذ على الأرض، رغم وضوح الأهداف المعلنة لسياسات الحجز.
كما دفعت المجتمعات المحلية ثمناً لهذا التراجع، إذ فقدت في كثير من المناطق جزءاً من المنافع التي توفرها الغابات، من الحطب والأخشاب والأعلاف والمنتجات الغابية غير الخشبية، فضلاً عن خدماتها البيئية في حماية التربة وتنظيم المناخ المحلي.
وبمناسبة مرور مائة عام على بدء تجربة حجز الغابات في السودان، لا ينبغي لهذه الذكرى أن تمر بوصفها مناسبة احتفالية فحسب، بل ينبغي أن تتحول إلى لحظة مؤسسية للمراجعة والتقييم والتجديد.
إن المسؤولية التاريخية تقتضي من وزارة الزراعة والري والغابات، والهيئة القومية للغابات، إطلاق مراجعة وطنية شاملة لتجربة الحجز، وتقييم نتائج السياسات السابقة، وتشخيص الثغرات التي أعاقت التنفيذ، وإعادة النظر في الإجراءات والسياسات بما يضمن تسريع وتيرة الحجز وتعزيز حماية الغابات، حتى لا يتحول تعثر القرن الأول إلى إرث ينتقل إلى القرن الثاني.
فالغابات لا تُفقد حين تُقطع أشجارها فقط، بل حين تفقد الدولة قدرتها على تحويل المعرفة إلى قرار، والرؤية إلى عمل، والطموح إلى واقع مستدام.







